الكرة السوداء!

ملحة عبدالله

نشر في: آخر تحديث:

لعلكم تتفقون معي بأن الإعلام هو من أصبح يدير الرؤوس ويحدد الاتجاهات، فإذا اهتم الإعلام وانصب على أمر من الأمور ذهب معه من لا يحمل كرة مستديرة بين كتفيه! ولذا أصبح العالم كله يضفي على الكرة التي بين الرجلين صبغة الوجود أكثر من تلك الصبغة التي يمنحها للكرة التي بين الكتفين وما أصعب الحال عندما يكون الوجود بين الأقدام!

مضيت متأملة ومراقبة لحال الشعوب العربية منذ التجهيز لمباريات كأس العالم، لعلي أخرج بفكر مغاير لما في رأسي الصغيرة، وقلت في نفسي: نعم بلادنا العربية تستحق الوقوف أمام العالم، تستحق المشاركة أمام العالم، تستحق الفوز أيضاً على العالم. ولم لا؟ ونحن أحفاد الفرسان يوم أن كان العالم في حالة وهن وعبودية، وأهل العلم والعلماء، يوم أن كان العالم في حالة جهل وخوف ومرض. إذا نحن جزء من هذا العالم ولسنا بأقل منه!.

وبيني وبين حديث النفس هذا قلت: الهزيمة تأتي من الذات وليست من خارجها. كل هذه التأملات والخواطر أخذت تسبح في رأسي، لكن بتاهد بين الفعل واللا فعل فيما أعتقده من عوامل لهذه المستديرة التي تشبه رؤسنا، ولكن ما أمر من أن يكون الرأس بين الأقدام تتقاذفه من ركلة إلى أخرى!

لست من هواة كرة القدم ولا أذهب فيها سوى إلى أنها نصر أو خسارة بين أقدام وأقدام، ولم أذهب أبداً إلى أنها نصرة دولة على أخرى، مهما تعالت أصوات المحللين والإعلاميين، وهذا يرجع إلى يقيني التام بأنها لعبة لا أقل ولا أكثر!

ولكن مادام العالم كله يراها بعين الحروب والوجود فلنذهب معهم لكي نحلل ونرى، إلى أين حقيقة تلك اللعبة وما علاقتها بالوجود الإنساني بصفة عامة؟.

ولعلكم تتفقون معي بأن الإعلام هو من أصبح يدير الرؤوس ويحدد الاتجاهات، فإذا اهتم الإعلام وانصب على أمر من الأمور ذهب معه من لا يحمل كرة مستديرة بين كتفيه! ولذا أصبح العالم كله يضفي على الكرة التي بين الرجلين صبغة الوجود أكثر من تلك الصبغة التي يمنحها للكرة التي بين الكتفين وما أصعب الحال عندما يكون الوجود بين الأقدام!

إنني مازلت مؤمنة بأن الكرة لعبة ليس إلا، ولكن دعونا نتأمل مالذي أكسبها هذه الأهمية التي حولتها عن مفهومها الحقيقي؟

أولا: تسيس الكرة. بمعنى أنها استخدمت كأداة لتغييب الوعي، أي تحويل تجاه التفكير والهم الجمعي إلى هموم هذه اللعبة والفوز بها، فيذهب الإعلام لتعزيز الفكرة وهو أكبر مخدوع، أو لجب شباك التذاكر واستدرار ما في الجيوب، فيتحول الفرد هدف وبدون وعي حقيقي، فقد كنت أذهل حينما أعبر الشوارع في يوم ( ماتش) تجده خاليا من البشر لأن المسألة تتعدى حدود المتعة، وتذهب إلى لغة الوجود!

ثانيا: لغة الحرب المستخدمة، فأصبحت مفردة الحرب هي الواردة في لغة المحللين واللاعبين وغيرهم. هذا المعنى أضاف للكرة بعداً أخر من الأبعاد السياسية التي كانت كرة القدم بريئة منها!

ثالثا: صادف هذه اللغة حالة الهزال والوهن العربي لما يمر به من ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية، فأصبح يرى فيها الانتصار الحقيقي، فهو لم يحقق أي إنجاز عالمي أعتقد أنه نوع من النصر بالإنابة، فبأي حق يحققون النصر بالوكالة؟!.

هذا من ناحية تفشي الهم الكروي للذات العربية بصفة حاصة. أما إذا ذهبنا إلى أسباب الهزائم المتلاحقة، لتقضي على حق الإنتصار فما هي إلا انعكاس لما يحدث في بلادنا ومنها:

أولا الفساد: فلا موضوعية حقة تحكم المسار، سواء في انتقاء اللاعبين وانتخابهم، فهناك من هم أفضل منهم قابعين في صفوف المتفرجين، لأن المحسوبية والمصالح تدخلت وبشكل كبير.

ثانيا: تخريب الأندية من الداخل، فكل ناد يتربص بمنافسه، فيبذل قصارى جهده في قصم ظهره، وأنا أعرف أندية اشترت اللاعبين المنافسين ثم تضعهم على دكة الاحتياط، اللهم أنها كسرت منافسيهم. وبناء عليه تدمر الكرة المحاية وهي رأس الحربة فيما بعد!.

ثالثا: المحسوبية والشللية والخواطر ومرادفاتها كثيرة. ولنا في البطل العالمي محمد صلاح خير دليل كيف تقاذفته الأندية المحلية حتى فقد الأمل، وحينما ذهب إلى بلاد الموضوعية برز الرجل وهو ذاهب من عندنا صفر اليدين، وما أشبه حاله بحال عالم الفضاء فاروق الباز، تخرج من جامعته جيولوجياً متفوقاً فعين موظفاً في وزارة الزراعة ومثله مثل العالم العربي محمد زويل وغيره كثر ممن أهدرت طاقاتهم وإبداعاتهم لأن ليس لديهم (واسطة أو شلة) فالمثل العربي السائد بيننا اليوم يقول: من ليس له ظهر ضرب على بطنه، نعم مثل مبني على واقع مرير دمرنا ودمر ثقافتنا ودمر الإبداع العربي كله من دون مبالغة! ولذا أصبحت المجاملات في بلادنا سوس ينخر في السأس، والنتيجة كرة سوداء، وثقافة متحدرة تعكس ضمائر القائمين عليها!

من أين نأتي بالتقدم والتفوق في عالم تسوده المصلحة وكسب الود وانتفاخ الجيوب، فالأمر لا يخص الكرة فحسب وإنما الثقافة أيضاً وهي عماد الشعوب وقنديلها الأول، فكم من كتاب ومبدعين خلف الستائر المسدلة، لأنهم ليسوا من أبناء فلان أو علان، أو من ذويهم. فلماذا نحلم بالنصر ونحن نخبر سؤدده وفحواه! فالأمل ليس إلا فيما بين أيدينا أما ما خلف السُحُب فبعلم الرحمن، عند ضعاف الدين في أكف العرافات!

الأمر الأخير. إن الكرة لم تكن هي المُعبِّر عن تقدم وانتصار الأمم على الإطلاق، فالحتمية التاريخية تقول إنه إذا ما تقدمت الرياضة اختلت الثقافة والإبداع؛ فالإبداع والثقافة لدى اليونان 2500 ق م وما قبله صارت دستوراً إبداعياً حتى الآن ثم جاء بعده العصر الروماني فاهتموا بالرياضة وبرعوا فيها فتهاوى الإبداع وانحسر لديهم حتى إنهم كانوا يختلسون المبدعين اليونان ليبدعوا لهم كما ذكر د. صلاح فضل عن هوراس في كتابة الواقعية. وهذا هو عصر الكرة وتراجع الثقافة، فلماذا لا نحزن كل هذا الحزن؟ ولماذا لا يهرع الإعلام عندما نفقد جائزة عالمية في العلوم أو الآداب؟. لنتأمل الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأميركية والهند والصين أين هم عن كرة القدم، إنها الحتمية التاريخية!

*نقلاً عن الرياض السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.