يقاتلون حتى في كأس العالم
أظن أن من شاهد آخر مباريات دور الثمانية مساء السبت الماضي بين الكروات والروس سيعتبرها من أقوى مباريات كأس العالم وأكثرها إثارة وقتالاً بل وتلاعباً بمشاعر الجماهير بنقلهم مرة بعد أخرى من غرف الساونا إلى أحواض الماء الباررد.
لقد كان الكروات أساتذة كباراً قدموا فنوناً راقية وأمتعونا ونالوا ما أرادوا ففازوا بالمباراة بركلات الترجيح، وكان الروس هم الذين بدؤوا التسجيل حين وجهوا إحدى القذائف الأسطورية لمرمى الكرواتيين، وبعد امتحان عسير مر على الكرواتيين تمكنوا من تسجيل هدف التعادل، وانتهى الوقت الأساسي للمباراة، وفي بداية الشوط الأول من الوقت الإضافي سجل الكروات هدف الفوز وظن الكثيرون أن الكروات قد حسموا المباراة، لكن الروس وفي إحدى غاراتهم التي تواصلت دون كلل أو ملل سجلوا هدفاً مثيراً بقاماتهم الطويلة من كرة مرفوعة على المرمى الكرواتي أشعلوا به الملعب والمدرجات، وأحيوا مرة أخرى آمال جماهيرهم وخيبوا آمال لاعبي الكروات ومشجعيهم، لكن وكحال كرة القدم عادت تلك الآمال بعد الضربة الأولى لضربات الترجيح التي أضاعها الروس وسارت المباراة أثناء تنفيذ الضربات بأعصاب مشدودة حتى انتهت بفوز الكروات بعد نجاحهم في الضربة الأخيرة وخسر الروس بشرف كبير.
نعم لا شك أن الكروات كانوا أساتذة بأدائهم الراقي وقاتلوا أيضاً، لكن كان الروس أساتذة كباراً بأدائهم الرجولي وروحهم العالية وشجاعتهم وتصميمهم على الفوز، فقد كان الواحد منهم شعلة تتقد نشاطاً، وكانوا يزرعون الملعب بركضهم السريع ينظمون الغارات المتواصلة على مرمى الكروات، ويعودون معاً بسرعة للدفاع عن مرماهم ليبددوا سنفونيات الكروات بحماس مميز، تؤازرهم في ذلك أهازيج جماهيرهم التي يواصل إشعالها مدربهم بنداءاته وحركات يديه، وبصراحة كان الروس عمالقة في أدائهم تماماً كما كانوا عمالقة بأبدانهم وحماسهم ونشاطهم المشتعل طيلة المباراة.
لقد ذكرني الروس في غاراتهم الهجومية في الملعب بغارات طائراتهم في سورية، فقد بدوا لي وكأنهم ليسوا لاعبين في ميدان الكرة بل جنوداً يقاتلون أو أسراباً من الطائرات تواصل شن الغارات على الكروات، إذ كانت انقضاضاتهم عامرة بالفدائية والنشاط العجيب وكأنهم يقولون للكروات افسحوا لنا الطريق وإلا دسناكم.
كان الروس مصممين ومصرين على الفوز بأي ثمن ولكن هيهات فهنا في كأس العالم كان الحكم ومساعدوه يحمون بالقانون لاعبي كرواتيا من التجاوزات وتخطي القوانين وهناك في الكأس السورية كانت الكلمة في مجلس الأمن للفيتو الروسي ومن هنا يكمن الفرق بين سيادة القانون وسيادة لعلعة الرصاص وبين نغمات الفنون وأصوات القنابل وبين غارات مهاجمي الكرة وغارات الطائرات.
*نقلاً عن الرياض السعودية