تسليع اللاعب

عبدالله بن بخيت
عبدالله بن بخيت
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

تحدثت في عدد الخميس الماضي عن تطور مفهوم الجمال وتنوعه وعالميته بعد أن كانت البشرية ترزح تحت سيادة النموذج الأميركي، فرضت ما بعد الحداثة معايير جمال تمنح الإنسان حق الاختيار الشخصي فاعتمدته شركات الإعلان ومنتجو السينما ومحضرو الموديلات، تنوعت أشكال الجمال بقدر تنوع الجنس البشري.

في خضم الحديث عن جمال المرأة يظهر علينا شيء اسمه تسليع المرأة، أن تستخدم الحضارة الحديثة جسد المرأة في ترويج البضائع مما يعد امتهاناً لآدميتها، لكن هذا يطرح سؤالاً: هل المشكلة الأخلاقية تكمن في تسليع جسد المرأة كإنسان أم تسليع جسد المرأة كأنثى بعيداً عن كونها إنسان.

إذا كان المقصود تسليع المرأة بوصفها إنساناً فهذه جريمة لم تبدأ مع الحضارة الغربية، كل من قرأ سطرين من سطور التاريخ يعرف أن المرأة كانت تباع و تعرض على مسارح الرقيق وينادى عليها (يحرج) ويتقرر سعرها بعوامل متعددة من أهمها مقدرات الجمال.

الفرق بين تسليع المرأة في زماننا هذا وبين تسليعها في الأزمنة الماضية أن تسليع امرأة اليوم هو أن تصبح مروجاً لبضاعة يريد صاحب البضاعة بيعها مستفيداً من جمالها، لا أن تكون هي نفسها البضاعة، ثم إن التسليع اليوم يتم بقرار المرأة نفسها، تستطيع المرأة أن تتوقف عاملة في هذا المجال متى شاءت. البضاعة في عصرنا هذا ليس المرأة نفسها كما كانت في العصور السابقة، المرأة التي تعمل في الإعلان لها أب وأم وعنوان ويحق لها أن تحصل على زوج وأطفال متى شاءت، لا سيد لها ولا تنتظر أن تباع في أي لحظة أو تهدى لسيد آخر، لم تأتِ لسوق النخاسة طفلة مسروقة تاركة وراءها أماً وأباً وأشقاء تتقطع قلوبهم على فقدها وفراقها الأبدي حيث تتحول إلى بضاعة في بلاد بعيدة، جمالها وأنوثتها ملكها.

الغريب في أمر أن هؤلاء الذين يتهمون الحضارة المعاصرة بتسليع المرأة يتجاهلون تماماً أن عملية التسليع هذه تشمل الرجل أيضاً، في كل زاوية نشاهد عرض ازياء ذكوري وبأشكال مختلفة: للعطور والسيارات واليخوت والمطاعم، كل بضاعة اقتنيناها سنرى أن خلفها إعلانات تسلع الرجل بنفس القدر من تسليع المرأة. إذا كانت المسألة إنسانية فيتوجب على الإدانة أن تشمل تسليع الذكور والنساء على حد سواء، وقبل ذلك علينا أن نتأمل في التاريخ أولاً، التسليع الذي تواجهه المرأة اليوم هو وظيفة، لها شروطها ودخلها المالي وقوانينها، لا تختلف عن الوظائف التي يعمل بها أي إنسان.

أكثر الوظائف تسليعاً للبشر في حياتنا المعاصرة هي الوظائف الرياضية، يمتلك النادي اللاعب بشرائه من نادٍ آخر ويحدد إقامته وطريقة أكله وشربه ويضع على صدره ما شاء من الملصقات الدعائية، وإذا كان الاعتراض على تسليع المرأة أن المطلوب جسدها فما المطلوب من اللاعب غير جسده؟

*نقلاً عن الرياض السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط