.
.
.
.

ديربي فوق الخيال

بدر الدين الإدريسي

نشر في: آخر تحديث:

لا أذكر أن مشهد الديربي في توالي نسخه عبر ستة عقود، من أول يوم ولد فيه مع مولد البطولة الوطنية بعد استقلالنا المجيد، قد حفل بالإثارة والجمال والسحر والهيتشكوكية التي جاد بها ديربي العرب في إياب ثمن نهائي كأس محمد السادس للأندية الأبطال، وما أذكر أنني وقفت في عشرات الديربيات التي شاهدتها في العقود الأربعة التي انصرمت من مساري المهني، على ما هو من جنس الجنون والخبل الذي أتى به ديربي العرب، فما كان يوم السبت نفحة من نفحات الأساطير التي قرأنا عنها في الإليادات وكتب التاريخ، والتي يقول البعض أنها انقرضت ولن نشهد لها مثيلا.
طبعا علمنا الديربي في سنواته الأخيرة أن المتعة والإبداع والنبوغ يكون في المدرجات، وجماهير الرجاء والوداد تتبارى في تصدير صور تعجز كل وصف، لذلك ما تصورنا ولو للحظة أن قريحة هؤلاء المبدعين ستجف وستعدم القدرة على السفر عميقا في التاريخ الإعجازي للإنسانية، لاستهلام مشاهد تفتن العين، ما شغل بالنا أبدا أن الفصائل المناصرة للعملاقين، وقد غدت عالميا مصدرًا من مصادر إبداع الخوارق في المدرجات، ستمر بمحاذاة هذا الديربي العربي الإستثنائي من دون أن تترك بصمة، إلا أنه في ديربي يوم السبت حضر بالفعل ما كان يغيب عن الديربيات الأخيرة، حضر الأداء الرائع، غابت المشانق الدفاعية ورمت المباراة بكل معاطفها الإحترازية، فكان ما شاهدناه لتسعين دقيقة عرضا سحريا قدمه اللاعبون على البساط الأخضر بنفس هيتشكوكي.
صدقا ما توقعت وقد انتهت مباراة الذهاب متعادلة بهدف لكل فريق، أن يأتي الرجاء بهجومية مطلقة بغية الوصول مبكرا لمرمى التكناوتي، وما توقعت أن يرضى الوداد باللعب بدفاعية حمقاء لجر المباراة إلى بياض يؤهله لدور الربع، إلا أنني توقعت أن تشتعل المباراة في حال ما إذا نجح أي فريق في الوصول مبكرًا لمرمى منافسه، والحال أنها مع تقدم الوداد بهدف ناهيري من نقطة الجزاء التهبت، ومع تعادل الرجاء من نقطة الجزاء أيضا تأججت، فتحولت إلى سعير حرق ما بقي من خيام الخوف والتوجس، ولتقود طبيعة الأشياء الديربي إلى مرتبة الخلود، لأن ما سيأتي في الأربعين دقيقة التي أعقبت عودة الرجاء في النتيجة، مشهد لا تستطيع بلاغة الوصف أن تطاله أو حتى أن تكون بشموخه وهلاميته.
لا أريد لجمال ما رأته العيون، وما هو إلى اليوم حديث الناس في عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج، أن أغرق في التفصيلات التكتيكية أو حتى الجزئيات التي سافرت بالمباراة في لحظة إلى مدارج الخلود، فالرجاء يسأل فعلا عن الأخطاء التي أورثتها دفاعاته الهشة، ونتج عنها التأخر بأربعة أهداف لهدف، قبل أن يهنأ على الريمونطادا الرائعة والتاريخية التي جسدت روحه الجماعية العالية، والوداد يسأل وقد أنتج في لحظة ما هو من جنس عراقته، بالتقدم بفارق ثلاثة أهداف في مباراة لعبها بكثير من الإعاقات على مستوى وسط الميدان، بأنه سمح لنفسه في عشرين دقيقة بالسقوط في رعونة دفاعية هوت به إلى مستنقعات الحزن والندم.
صحيح أن المضمون التكتيكي العجيب والغريب والذي لا يمكن لأحد أن يدعي أنه تخيله ولو للحظة، يستحق أن يكون محورًا لنقاش فني عميق يستحضر ما أظهرته المباراة، الذي يقول بمطلق الأمانة، أن هناك هوامش كثيرة لتطور اللاعب المغربي، وأنه بما يملك من جينات يستطيع أن يخرج لنا مباريات من المستويات العالية، وصحيح أيضا أن مباراة يوم السبت بكل إشاراتها وتباشيرها وحمولاتها التكتيكية، يجب أن تكون لكرة القدم المغربية المرجع وليس الإستثناء، بحيث نقيس عليها قدراتنا في تقديم منتوج كروي يزيدنا صعودا في سلم العالمية.
وأتصور أن ما حفل به ديربي العرب، وما أنجزه أولمبيك أسفي وهو يركع «دولة الترجي» ويضمها لإمارته ويعبر بكامل الجدارة للدور ربع النهائي لكأس محمد السادس للأندية الأبطال، بأداء بطولي وخرافي هناك في قلعة النار، في ملعب رادس، يقول بكل موضوعية أن أنديتنا، حاز كثير منها جواز السفر بفخامة السفراء إلى الصدارات العربية والإفريقية.

*نقلا عن المنتخب المغربية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.