.
.
.
.

كوبي براينت.. أسطورة ستتناقلها الأجيال

رالف شربل

نشر في: آخر تحديث:

من مدينة فيلادلفيا حيث أبصر النور، مرورًا بمدينة ميلانو حيث ترعرع على عشق كرة السلة وتعلّم أصولها، وصولًا إلى مدينة لوس أنجلوس التي لطالما حلم بارتداء قميص فريقها اللايكرز، ولكنه لم يكن يعلم حينها أنه سيستمرّ لعشرين عامًا يستمع إلى هتافات جماهيرها التي تصرخ باسمه. كتب لهذا اللاعب تحقيق الإنجاز تلو الآخر، فبمجرّد دخوله إلى الدوري الأميركي حقق إنجازًا بكونه أصغر لاعب في تاريخ الدوري. شكّل مع شاكيل أونيل أفضل ثنائي في تاريخ اللعبة واستطاعا الظفر باللقب معًا ثلاث مرّات على التوالي، لكن سرعان ما تدهورت علاقتهما ليرحل "شاك" ويبقى كوبي يقاتل ويدافع عن فريق أحلامه، ولطالما دافع وكافح وحده وأوصل اللايكرز بمفرده إلى الأدوار الإقصائية، وكان حينها الأفضل في العالم بدون منازع إلا أنه في تلك الفترة لم يكن يملك فريقًا يستطيع حصد اللقب. لم يستسلم أبدًا وأراد إثبات نجوميته وقدرته على الفوز بدون شاكيل، وقد سهّل قدوم غازول هذه المهمّة ليفوزا معًا بلقبين متتاليين. كوبي تأثّر بالشخص المناسب الذي هو مايكل جوردان والذي تعلّم منه أن الفشل ليس سوى السبيل الوحيد للنجاح.

تغيّرت الأسماء، في كل فترة كان يسطع نجم جديد، لكن لم يستطع أحد أن يبقى في القمة لمدة عشرين عامًا إلا "البلاك مامبا" الذي يكره الخسارة ولا يرضى بأقل من الظفر باللقب.

أثبت كوبي للجميع أنه خليفة جوردان، فمنذ اعتزال مايكل، لم تخفق القلوب للاعب كما خفقت لبراينت، حتى إنّ هذا الأخير تفوّق في بعض الإنجازات الفردية على سلفه، فكوبي سجّل 81 نقطة في مواجهة الرابتورز في 22 كانون الثاني 2006، وكوبي سجل 12 رمية ثلاثية في مباراة واحدة وكوبي شارك في مباراة كل النجوم في 15 موسمًا متتاليًا، وكوبي سبق جوردان في عدد النقاط على لائحة أفضل المسجلين عبر التاريخ ولعب 20 موسمًا مع نفس الفريق.
أرقام لا تحصى ولا تعد، خمس بطولات وأفضل لاعب في الدوري عام 2008، وأفضل لاعب في مباراة كل النجوم في أربع مناسبات وأفضل لاعب في "البلايوف" عامي 2009 و2010.

قال براينت ذات مرة "لا يمكنني أن أكون صديقًا جيدًا"، ربما هو على حق، لكنه لطالما كان ملهمًا للأجيال الصاعدة وفيلسوفًا تصغي إليه جميع الآذان عندما يتحدث، فهو دائمًا يصنع الحدث ويخطف الأضواء من الجميع.

كوبي توجّه الى كرة السلة برسالة حبّ مؤثرة للغاية عبّر من خلالها عن رغبته بالاستمرار في مداعبة الكرة البرتقالية وعن تعلّق روحه بالبقاء في عالم كرة السلة، غير أنّ جسده لم يعد قادرًا! هذا الجسد الذي أنهكته الإصابات وفعلت به فعلتها، لكنه كان دائمًا يتجاوز الإصابة ويلعب وهو مصاب، فعشقه لا حدود له وما من عقبة تستطيع إيقاف كوبي براينت!

لم يكتف كوبي بالتألّق مع اللايكرز، فقد نقل تألّقه إلى المنتخب الأميركي الذي قاده للظفر بذهبيتين أولمبيتين في بكين 2008 ولندن 2012 محققًا أرقامًا ممتازة جعلته يخلّد اسمه إلى جانب أفضل من مثّل الولايات المتحدة على مرّ العصور.

جماهير كرة السلة أنصفت براينت فقد لقي تحيّة كبيرة من جمهور كل فريق زاره لآخر مرة، فالفرق الأخرى تدرك قوّة براينت وقدرته المذهلة على قلب المباراة بفضل مهاراته المرعبة وتسديداته القاتلة. بدون شك، أفضل من يستطيع قتل المباراة عبر التاريخ هو كوبي، ما جعل شاكيل اونيل يفضّله على ليبرون جايمس بفضل تلك الميزة.

أكبر شكر من جماهير كرة السلة تصدّر براينت للتصويت الخاص بمباراة كل النجوم في موسمه الأخير بفارق شاسع عن أقرب منافسيه أفضل لاعب في العالم وقتها ستيفن كوري.

قال عنه خصمه دواين وايد "هناك لاعبون عظماء، لكن لن يكون هناك كوبي براينت آخر"، أما بول بيرس فصرّح بأن كوبي أقوى لاعب واجهه ودافع عليه "من المستحيل أن توقفه". ببساطة، الإشادة تأتي من الخصوم قبل الزملاء.

قد يبقى جوردان دائمًا رمزًا لكرة السلة فهو من نقل اللعبة إلى مستوى أرفع، لكنّ مسيرة كوبي براينت وعطاءاته ستبقى راسخة في أذهاننا إلى الأبد، فبالاضافة إلى الفوز مرارًا وتحطيم الأرقام القياسية، فإنه وضع قيمًا لم يستطع أحد قبله ترسيخها، فهو مقاتل لا يستسلم حتى للوجع، وقد نذر حياته لكرة السلة ما جعله يحافظ على مستوى ممتاز لأطول فترة ممكنة، وبقي وفيًا لفريق مدينة الملائكة، متغلّبًا على كل العقبات.

لطالما اشتهر كوبي بقساوته مع خصومه، فهو اعتاد على تدميرهم الواحد تلو الآخر دون رحمة، لكن الحقيقة أن كوبي كان أقسى بكثير مع محبيه، فكيف له أن يرحل بهذه الطريقة المؤلمة؟

ألا تكفي الدموع التي ذرفناها بعد وداعه الأسطوري لكرة السلة؟

26 يناير 2020 هو اليوم الأكثر حزنًا في تاريخ كرة السلة، فقد ودّعنا خلاله ملهم الأجيال والبطل الخارق كوبي براينت.

شكرًا كوبي على الذكريات والدروس، سأخبر أولادي الذين بدورهم سيخبرون أولادهم عن أسطورة ستتناقلها الأجيال.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.