.
.
.
.

إياك والعاطفة

المهدي الحداد

نشر في: آخر تحديث:

العقلاء لا يعيشون على العواطف ولا يتغذون من الأحاسيس، ولا يمزجون بين المهنية والعلاقات الجانبية، ويتركون الصداقات والإرتباطات جانبا، حتى ينجحون في حياتهم العامة والخاصة، ولا يفسحون الهامش لذبذبات القلوب لتعمي العقول.
في الرياضة كبقية القطاعات الحيوية تعتبر العاطفة سجن المسؤولين والمدربين، والتي تتسبب عادة في كوارث وإنكسارات يؤدي الوطن ثمنها غاليا، ويقع الأبطال ضحاياها بسهام نزوات أشخاص عابرين، تزعزعهم نسمات التعاطف ولا توقظهم سوى هزات المنطق والنتائج الواقعية النهائية.
كرتنا الوطنية لطالما وقعت بالضربة القاضية وإندحرت في غياب المنطق والعدالة الرياضية، ومن أبرز أسباب الإخفاقات المتتالية التي عاشتها المنتخبات المغربية وخاصة المنتخب الأول، هو حضور الحس العاطفي بقوة لدى جل المدربين، آخرهم الفرنسي هيرفي رونار الذي لولا عاطفته وصداقاته مع البعض وحقده على البعض الآخر، لحقق الأسود إنجازا تاريخيا في مونديال روسيا ولبلغوا آخر أدوار كأس أفريقيا بمصر.
رحل الثعلب ورحل معه بعض اللاعبين المقربين الذين كانوا أكبر المستفيدين من رهيف مشاعره ووفاء وعوده، وحل البوسني وحيد خليلودزيتش بتقاسيم وجهه الحادة وشخصيته الصارمة، والتي تبدو رافضة للتودد والتقرب من لاعبيه، وفرض الإحترافية والعلاقات المهنية بينه وبينهم، دون مزح ولا دعابة ولا تناول فنجان قهوة أو الحديث الهاتفي لساعات.
أحكامي المسبقة هاته عن الرجل بناء على سيرته الذاتية وخرجاته الإعلامية وكذا حواري المطول معه قبل أسابيع، أعطوني فكرة أولية على كونه مدرب بلا عواطف ولا مجاملات، لكن ما يظهره للإعلام من صورة وما قد يكون عليه من صورة أخرى مع اللاعبين قبل وأثناء وبعد المعسكرات، قد يفند الإنطباع ويغير الرأي حينما سيتم الإعلان بعد أيام عن لائحة الأسود لمواجهة إفريقيا الوسطى ذهابا وإيابا، لأقف ومعي الرأي العام عن مدى منطق وحيد وعقلانيته وإحترامه لنفسه وإحترافيته، والقواعد التي يشتغل عليها والأسس التي يبني عليها أفكاره وقراراته، وأولها وأبرزها منسوب التنافسية والجاهزية، والتي ظلت تتردد شفهيا على ألسن من سبقوه دون تطبيق ميداني.
لن يقنعني أحد ولا يبرر لي خليلوزيتش بأقوى الأدلة، إن هو قام بإستدعاء بعض المحترفين الذين يشكل بعضهم ثوابت الفريق الوطني منذ سنوات، وفتح أبواب العرين في وجههم وهم في أسوإ الحالات وأحلك الظروف، في إطار المواساة والدلال والتعاطف، أو في القالب الوهمي للحفاظ على تماسك المجموعة وتلاحمها والجو العائلي، والذي لا يتواجد إلا عندنا كمغاربة وعرب حيث تغلب علينا العاطفة ونخاف التغيير ونهرب من العقلانية.
الأرقام والإحصائيات والمنطق يحرّمون أن توجه الدعوة مثلا لفيصل فجر المقهور والذي خرج منذ شهور من حسابات مدرب خيطافي الذي لم يستدعيه منذ مدة طويلة للمباريات، ومعه ياسين بونو، زهير فضال، يوسف أيت بناصر، المهدي بوربيعة، نوصير مزراوي، يونس بلهندة وسفيان بوفال الذين يعيشون فصول موسم متذبذب وإياب كارثي، ولم يتجاوز أحسنهم 100 دقيقة من التباري خلال السنة الجارية، في المقابل حرام أن يتم تجاهل وإقصاء محترفين آخرين وعدم منحهم الفرصة وهم في قمة مستواهم وأوج عطائهم، كإلياس الشاعر، محمد أبرهون، فهد موفي، حمادي الغديوي، عبد العالي المحمدي، ياسين بنرحو، أسامة طنان، رضا خرشوش، أشرف بنشرقي..مع ضرورة تكثيف الجهود والإتصالات لإقناع هداف ديجون منير الشويعر وجناح نانط عمران لوزا.
إياك والعاطفة يا وحيد، إياك والصداقة التي سئمناها، فهذه الأسماء بالتحديد ستكون مقياسك الحقيقي والقريب لدرجة عقلانيتك وعاطفتك، وستعطي الإنطباع الواقعي والرسمي حول مدى نجاح مشروعك مع الأسود، فكل التجارب السابقة أثبت أن الود والمجاملة والإنحياز يحولون الأسد الشرس إلى قط أليف ومروض.

*نقلاً عن المنتخب المغربية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.