.
.
.
.

عيون البقاء

تركي السهلي

نشر في: آخر تحديث:

هُناك بالاعتلاء من “وادي البطحاء” ثنائية فارس وحصان. الاكتمال للقيادة والوصول. النصر والهلال حضارة وامتداد وقصص لم تكن لتروى دونهما. سادة الحضور وعيون البقاء على مرّ التاريخ. لقد فتحنا الأذهان بهما ودوّنت الأحداث بتوقيتهما وصدح المذياع بأغاني الصباح بكلماتهما ورأينا لون الشاشة بهما ورسمنا اللوحات بريشتهما وانتهى كل شيء بهما وابتدأ.
لقد سكن الطين روح الناديين وأعطاهما من طراوته شيئًا لازمًا للمواجهة وتحدي الزمن. حينما تمرّ بك صورة الرياض القديمة يقفز الحنين إليهما ويستدعيان الذاكرة. صباحًا في “الشميسي” بعد الدوّار الصغير في الطرف عند الشرق بعد تجاوز دكّان “أبو عمير” وأنت في الاتجاه جنوبًا نحو شارع “الوزير” سترى التلاصق. البيت الصغير والقصر المفتوح على الناس. ستشاهد العلم الأصفر يرفرف فوق منزل كبير وآخر أزرق بالقرب منه يعتلي بيتًا قصيرًا. كل المنازل مفتوحة على النصر والهلال والساكن فيها يرمز إلى نفسه بشعارهما. الأحداث لا تموت وذاكرتهما لا تشيخ والجيل يتبعه جيل لا ينسى ولا يتراجع عن مواقف أسلافه. ريح الديمومة ونبات الأرض وسقيا المسافات الجدباء واتساع السماء والتقاء العادي بغيره وتمازج الطبقات واتحاد الرغبة.
لم تكن العاصمة في بداية الستينيات الميلادية راقصة كما يجب لكنّها لم تكن صامتة أبدًا وفي وقتها ذاك طغت حالة التعبير الجديدة على زمن الاكتشاف البعيد ونظم الشباب حينها قصيدتهم اللحنية فدارت الأغنيات في ساحات “الملز” بعد “الناصرية” بقليل وسُمِع الصوت. كان النصر ومعه الهلال بمثابة مؤشر لتناغم الناس واندماجهم في مشروع الحياة المدني. كانت المطابع والصحف ومقالات الأدب وبرامج الشعر ومجالس الأمراء في تطابق مع حكايات الساهرين في ممرّات الأحياء الضيّقة وكانت الفوارق بينهما تزول حين حضور الأصفر ومعه الأزرق. منهما تتكوّن الروايات وبهما تدور الأحاديث. كان الهلالي بالجوار من النصراوي ومعهما تشكّلت أزمنة التكوين وجهًا سعوديًا له ما يعنيه. كان عُمقًا كما لو صعودًا وطرقًا لا حدود لها وأنوار لا تنطفئ. سيرة الأولين والآخرين هما.. وردة البستان ومورد الماء هما.. مواعيد “البراقع” و “البشوت” والضحكات وأشرطة التسجيل.. “خدود البنات” والرسائل والعطر والكحل.. الفرسان والصبيان والصغيرات وربّات البيوت.. مؤذن المسجد وقاضي المحكمة والأمير وحاجب الوزير.. رسوم “الجص” وأقمشة الستائر.. نداء الفارس للحصان.. رائحة القهوة وسلام الرجال. المقعد المتسع للجميع والاستقامة دون إعوجاج. القرار الأوّل والصدور الأخير.. التوجيه الدائم والالتزام.. الفكرة الواحدة.. نصر وهلال.

*نقلاً عن الرياضية السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.