اللحن الأخير لملك الريدز

عبدالرحمن عمرون
عبدالرحمن عمرون
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

لأكون صادقًا، لم أكن يومًا مشجعًا جيدًا للكرة الأوروبية.

كنت أشاهد أبرز المباريات، وأتابع اللقطات المهمة، لكنني لم أكن أملك ذلك الشغف الكامل تجاه فريق أوروبي بعينه. لم أكن من هؤلاء الذين يحفظون جدول المباريات، أو ينتظرون نهاية الأسبوع من أجل نادٍ في إنجلترا أو إيطاليا أو إسبانيا.

لكن شيئًا واحدًا كان قادرًا دائمًا على جذبي: المحترفون العرب في أوروبا.

منذ ميدو، ومحمد زيدان، وأحمد حسن، وغيرهم من الأسماء التي كانت تمنحنا شعورًا خاصًا كلما ظهرت في ملاعب أوروبا. كنت أجلس بالساعات أنتظر تحميل دقيقة أو دقيقتين لملخص لمسات أحد لاعبينا هناك. تمريرات قليلة، تسديدة، مراوغة، أو حتى ظهور عابر في لقطة من المباراة.. كان ذلك كافيًا ليصنع الحماس.

لم تكن المسألة مجرد متابعة لاعب.
كانت أقرب إلى البحث عن جزء منا في عالم بعيد.

ثم ظهر ذلك الشاب القادم من نجريج إلى بازل.

اسم جديد ينضم إلى القائمة. لم يكن معروفًا بالقدر الكافي وقتها، لكن شيئًا ما فيه كان يدفعك للانتظار. كنت أتمنى في كل أسبوع أن أجد له بضع دقائق؛ هل سجل؟ هل صنع؟ هل لعب أساسيًا؟ هل ترك لمحة جديدة تخبرنا أن هناك شيئًا أكبر قادمًا؟

ومع الوقت، بدأ الصدى يكبر.

هدفه الشهير أمام تشيلسي لم يكن مجرد هدف في مباراة أوروبية. كان إعلانًا مبكرًا أن هذا الفتى يملك شيئًا مختلفًا. في تلك الفترة، كنت أحب كثيرًا مشاهدة فيديوهات مهارات اللاعبين على موسيقى حماسية قبل الذهاب للعب الكرة. ومع صلاح، بدأت القصة تزداد ثراءً. الأهداف تزيد، المساهمات تتضاعف، والثقة تكبر.

ثم جاء تشيلسي.

لاعب مصري يصل إلى أحد فرق القمة في إنجلترا. بعد ميدو، بدا الأمر وكأنه خطوة جديدة في خيالنا الكروي. لم يكن مجرد انتقال، بل كان اختبارًا كبيرًا لحلم قديم: هل يستطيع لاعب مصري أن يعيش في هذا المستوى؟ أن ينافس؟ أن يبقى؟

لكن الحكاية لم تكتمل هناك.

ومن "نزل لصلاح، لباصي لصلاح، ليرحل صلاح".

من الأزرق إلى البنفسجي، وكأنه خلط بين الأزرق والأحمر ليصنع لونًا جديدًا في رحلته. في فيورنتينا عاد يلمع، وعاد يركض، وعاد يسجل. ثم من البنفسجي إلى الذئاب، وهناك ازداد شراسة، ونضجًا، وثقة. لم يعد فقط لاعبًا سريعًا يركض خلف المساحات، بل أصبح لاعبًا يعرف متى يضرب، وكيف يظهر، وكيف يتحول من موهبة واعدة إلى شخصية كروية كاملة.

في روما، توحش الفتى.

أصبح أكثر حسمًا، وأكثر هدوءًا أمام المرمى، وأكثر كاريزما. كأن كل محطة سابقة كانت تؤهله للعودة من جديد إلى الدوري الإنجليزي، لكن هذه المرة ليس كلاعب يبحث عن فرصة، بل كنجم جاهز لفرض نفسه.

ثم جاء ليفربول.

فريق ذو جماهيرية ضخمة، ومشروع جديد يتشكل، ومدرب نعرف عنه جيدًا كيف يتعامل مع اللاعب المصري، بعدما مر سابقًا بتجربة محمد زيدان. كان يورغن كلوب يبني شيئًا صاخبًا، سريعًا، شرسًا، يناسب صلاح تمامًا.

في أول موسم لصلاح مع ليفربول، فعلت شيئًا مجنونًا في عالم الفانتازي.

اشتريت صلاح منذ الجولة الأولى، وجعلته كابتن فريقي. ربما كان المنطق يقول: انتظر. اللاعب جديد، والدوري قاسٍ، والتجربة السابقة في إنجلترا لم تكن ناجحة بما يكفي. لكنني لم أكن ألعب الفانتازي فقط، كنت ألعب رهانًا شخصيًا مع نفسي.

الرهان كان بسيطًا: صلاح سيسجل كل مباراة.

وقد كان.

ومع كل هدف، كان الرهان يتحول إلى يقين. ومع كل احتفال، كان ذلك الشعور القديم يعود: نحن هنا. لاعب من عندنا لا يشارك فقط، ولا يظهر على الهامش، بل يقود، ويحسم، ويصنع الفارق.

في المواسم التالية، تغيرت طبيعة السؤال. لم يعد السؤال: هل سيسجل صلاح؟
بل أصبح: كم سيسجل؟ وكم سيصنع؟

أصبح الغياب عن المساهمة هو الأمر الغريب. صار وجوده في لوحة الأرقام عادة، وتأثيره في المباراة جزءًا من شكل ليفربول نفسه. من ذئب شرس في روما، إلى نجم بازغ في أنفيلد، ثم إلى ملك متوج على عرش المدرج الأحمر.

ومع تكوين الـ Heavy Metal بقيادة يورغن كلوب، والخط الأمامي المرعب، أصبحت المنظومة كاملة كأنها معزوفة محفوظة. ضغط، سرعة، افتكاك، تمريرة في المساحة، ثم صلاح. حتى إن تغيرت بعض الأسماء، بقي الإيقاع حاضرًا. كان الفريق يعرف لحنه، وصلاح يعرف متى يدخل بالجملة الأقوى.

لكن كرة القدم لا تبقي شيئًا على حاله.

تغيرت الأسماء، وتبدلت الأدوار، وخفتت بعض النغمات التي صنعت مجد السنوات الذهبية. أصبحت معزوفة الفريق مختلفة تقريبًا، وبقي صلاح يحاول العزف وحيدًا في الأمام، وسط فرقة موسيقية لم تعد تشبه اللحن المعتاد.

ومن ملك متوج، وعازف ماهر، إلى ختام باهت حوّل اللون الأحمر إلى رمادي.

لكن حتى الخواتيم الباهتة لا تمحو الرحلات العظيمة.

رحلة صلاح لم تكن مجرد رحلة لاعب مصري احترف في أوروبا ونجح. كانت رحلة فتحت آفاق اللاعب المصري والعربي. جعلت السقف أعلى، والطموح أكبر، والحلم أكثر واقعية. قبل صلاح كنا نفرح بدقائق قليلة، بلمسة، بتمريرة، بخبر صغير عن لاعب عربي في أوروبا. بعد صلاح أصبح السؤال مختلفًا تمامًا: لماذا لا يكون لاعبنا هو النجم الأول؟ لماذا لا ينافس على الجوائز؟ لماذا لا يصبح وجهًا عالميًا للعبة؟

صلاح لم يكن مجرد لاعب نجح في أوروبا.
كان دليلًا حيًا أن اللاعب المصري والعربي يستطيع أن يصل إلى القمة، لا كضيف عابر، بل كرقم صعب، وكنجم أول، وكملك على عرش واحد من أعظم ملاعب العالم.

ربما انتهت الحكاية بلون رمادي،
لكنها بدأت لنا جميعًا بلون أحمر لا يُنسى.

خاص بالعربية.نت

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط