مونديال 2026 في عمق العاصفة الجيوسياسية
يشير تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن كأس العالم 2026، الذي يقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك يمثل أكبر حدث رياضي عالمي منذ سنوات، وهو ما يجعله هدفًا محتملاً لمختلف أشكال التهديدات الإرهابية سواء من جماعات أجنبية أو من متطرفين محليين. فالأحداث الرياضية الكبرى لطالما كانت ساحة مثالية للجماعات المتطرفة التي تبحث عن صدى إعلامي واسع، حيث يمكن لأي هجوم أن يحقق لها حضورًا عالميًا يفوق بكثير قدراتها الفعلية على الأرض. ورغم أن قدرات تنظيمات مثل داعش والقاعدة قد تراجعت مقارنة بالعقد الماضي، إلا أن هذه الجماعات ما زالت تنظر إلى مثل هذه المناسبات باعتبارها فرصة لإعادة إثبات وجودها، كما أن دولاً معادية للولايات المتحدة مثل إيران وروسيا قد تسعى لاستغلال البطولة لتوجيه رسائل سياسية أو لإحراج واشنطن أمام العالم. ولا يمكن إغفال دور الميليشيات المرتبطة بصراعات خارجية أو حتى الكارتلات المكسيكية التي صنفت مؤخرًا كمنظمات إرهابية، والتي قد ترى في المباريات المقامة قرب حدودها فرصة للضغط على الحكومات أو لإظهار قوتها.
لكن التهديد الأكثر واقعية يبقى محليًا، حيث يشير التقرير إلى أن المهاجم الفردي أو الخلية الصغيرة هما الخطر الأكبر، إذ يمكنهما استخدام وسائل بسيطة مثل السيارات أو المتفجرات البدائية لاستهداف تجمعات غير محمية. كما أن التطرف اليميني والعنف المناهض للحكومة والكراهية ضد الأقليات، سواء المسلمين أو اليهود أو المثليين، كلها دوافع محتملة لهجمات قد تقع في محيط البطولة. وقد أثبتت أحداث سابقة مثل تفجير أولمبياد أتلانتا عام 1996 أو تفجير ماراثون بوسطن عام 2013 أن الأحداث الرياضية الكبرى تجذب مثل هذه العمليات.
الأهداف الأكثر عرضة للهجمات ليست داخل الملاعب نفسها، بل في محيطها، حيث تتجمع الحشود قبل التفتيش الأمني، وفي مناطق المشجعين والاحتفالات العامة التي تفتقر إلى إجراءات أمنية مشددة، إضافة إلى وسائل النقل والفنادق والمطاعم التي تشهد كثافة جماهيرية عالية. كما أن بعض المباريات تحمل رمزية خاصة تجعلها أكثر عرضة للاستهداف، مثل مباراة مصر وإيران في سياتل التي تتزامن مع احتفالات PrideFest، وهو ما قد يثير اهتمام جماعات مناهضة للمثليين أو أطراف أخرى ترى في المناسبة فرصة لتوجيه رسائل سياسية أو اجتماعية.
وفي سياق أوسع، فإن السياسة الأمريكية الخارجية نفسها تجعل من البطولة هدفًا إضافيًا، إذ أن الحرب الأمريكية على إيران، وما قامت به واشنطن في فنزويلا، إضافة إلى تهديداتها المستمرة لكوبا وكندا وجرينلاند، كلها عوامل ساهمت في خلق صورة عدائية للولايات المتحدة على مستوى عالمي. هذه السياسات لا تستفز الجماعات الإسلامية المتطرفة فحسب، بل تفتح الباب أيضًا أمام جماعات يمينية أو قومية متشددة ترى في البطولة فرصة لمهاجمة واشنطن على أرضها، ليس بدافع ديني وإنما كرد فعل سياسي أو أيديولوجي على ما تعتبره توسعًا أمريكيًا مفرطًا وتدخلاً في شؤون الآخرين. وهكذا يصبح التهديد متعدد الأبعاد، حيث تتقاطع دوافع مختلفة من جماعات متباينة في خلفياتها وأهدافها، لكنها تلتقي جميعًا عند نقطة استغلال حدث عالمي ضخم لإيصال رسائلها.
في مواجهة هذه التهديدات، اتخذت السلطات الأمريكية إجراءات واسعة، حيث تم تصنيف المباريات وفق مستويات أمنية مختلفة، وحصل النهائي في ملعب MetLife على أعلى مستوى أمني بقيادة جهاز الخدمة السرية، بينما بقية المباريات مصنفة كأحداث وطنية كبرى تخضع لإشراف وزارة الأمن الداخلي. كما تم إنشاء مركز شرطة دولي قرب واشنطن يجمع المعلومات الاستخباراتية من الدول المشاركة، إضافة إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة مثل الأنظمة المضادة للطائرات المسيرة والمراقبة الإلكترونية، مع تنسيق كامل بين مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي. وقد خصصت الفيفا 625 مليون دولار لتعزيز الأمن في المدن المستضيفة، وهو ما يعكس إدراكًا لحجم التحدي الذي تمثله البطولة.
الخلاصة أن احتمالية وقوع هجوم واسع النطاق من جماعة أجنبية تبقى منخفضة. وأن نجاح البطولة أمنيا سيقاس بغياب الحوادث، وهو ما يتطلب يقظة مستمرة وتنسيقًا دوليًا واسعًا، فأن أي ثغرة صغيرة قد تتحول إلى كارثة عالمية. إن كأس العالم 2026 ليس مجرد حدث رياضي، بل اختبار لقدرة الولايات المتحدة وشركائها على حماية أكبر تجمع جماهيري في العالم من تهديدات معقدة ومتعددة المصادر، وهو ما يجعل الأمن جزءًا لا يتجزأ من نجاح البطولة بقدر أهمية المباريات نفسها.
*نقلا عن الأيام البحرينية