.
.
.
.

فيلم تسجيلي عن "أسد بابل" يثير انتباه ملتقى دولي ببغداد

يتناول حياة رائد رسوم الأطفال في العراق الذي أصيب بالصم والبكم منذ طفولته

نشر في: آخر تحديث:

أثار الفيلم التسجيلي "صمتاً.. إنه يتحدث"، والذي عُرض ضمن فعاليات ملتقى بغداد التشكيلي الدولي، الكثير من ردود الأفعال خصوصاً لدى الوفود العربية والأجنبية التي حضرت العرض الأولي والذي اجتزئ منه وقت ليس بالهيّن نظراً لازدحام فعاليات الملتقى، لكنه مع ذلك أثار الدهشة والفضول بسبب قصته وحياة بطله الذي استبدل الكلام بالفرشاة والسمع بالألوان، واختار الطين رفيق طفولة هرباً من سخرية الأطفال الآخرين الذين لا يعرف ما يقولون له أو عنه، لكنه يرى إشاراتهم فلا يملك إلا الابتسامة والهرب إلى جرف النهر ليصنع من طينه تماثيل وأواني هي كل عالمه البديل، وكأنّ ثمة في داخله فناناً سومرياً قديماً استيقظ في عام 1936 عام ولادته بمدينة أور القديمة التي كانت موطن النبي إبراهيم - عليه السلام - والحضارات الأولى والتي سُمّيت فيما بعد "الناصرية".

فنان فطري أصيب بالصم والبكم منذ طفولته بسبب مرض "الخناق" الذي منعه من الدخول إلى المدرسة، فهو لا يجيد القراءة ولا يعرف من الكتابة سوى ما يرسمه بالفحم وبالحجر على الجدران من هواجس تجتاح طفولته، مثلما كان يفعل الفنان السومري القديم الذي كان يرسم على جدران الكهوف والمغارات المرئيات التي يخاف منها بغية تدجينها: حيوانات أو وحوشاً أو أعداء.

الخروج عن السياقات

اسمه في هوية الأحوال المدنية طالب مكي واسم شهرته بين محبيه وعشاق فنّه "أسد بابل"، وهو لقب أطلقه عليه الشاعر العراقي الكبير يوسف الصائغ إعجاباً واعترافاً بموهبته المتفردة.

في عام 1952 جاء به والده إلى معهد الفنون الجميلة، وكان يدرّس فيه آنذاك عمالقة التشكيل العراقي، وبعيداً عن كل الضوابط الدراسية، وخروجاً عن جميع السياقات أجبر نحات العراق الأول جواد سليم وزارة المعارف "الملكية" على قبوله طالباً في المعهد، لتمنحه وزارة المعارف "الجمهورية" بعد تغيير النظام في عام 1958 شهادة الدبلوم في النحت وهو الذي لا يقرأ ولا يكتب.

يقول جبرا إبراهيم جبرا: إن "مكي أول من أدخل الرسم إلى الصحافة العراقية حين عمل في مجلة العاملون في النفط 1959".

ويقول لنا أرشيف دار ثقافة الأطفال إن غلاف أول عدد من مجلتها المتخصصة للطفل "مجلتي" كان بريشة طالب مكي عام 1969.

فيلم تسجيلي وحياة غرائبية

وقال كاتب ومعد سيناريو الفيلم الشاعر حسن عبدالحميد لـ"العربية.نت": "كثيرة هي الجوانب الدرامية في حياة هذا الفنان، الذي من أجل فيلمه وجّهت دعوة لأشهر طبيب مختص (أنف وأذن وحنجرة) ليأتي من عمان ويصف الجوانب النفسية لمرضى صعوبة النطق وفقدان السمع وهو الطبيب إحسان رشيد الحسن الذي يتجاوز عمره السبعين عاماً، لقد كان حضوره عنصر شدّ في سياق هذا الشريط، وقد توقعت ما سيحصل له من إثارة وقبول قبل عمليات إنتاجه بسبب قصته وبسبب حياة طالب مكي الغرائبية أيضاً".

وعن كيفية التحاور مع إنسان لا يسمع ولا ينطق، قال عبدالحميد: "اعتمدنا على ابنته (مها طالب مكي) في نقل الحديث إلينا، وترجمة كلامه بالإشارة الذكية والمتعة التي تميز وجه الطالب المبتسم على الدوام، مشفقاً على الحياة ساخراً بمرح وطفولة لا تخفى على أحد".

في حين قال لنا المخرج أسعد الهلالي: "جسدنا في الفيلم السيرة الذاتية للفنان وتابعنا بعض تفاصيل حياته، فتنوعت الأماكن بين طفولته في مسقط رأسه وفي بابل القديمة؛ لأنه استوحى من الموروث والتاريخ العراقيين كثيراً، وفي الوقت نفسه حاولنا أن يكون الفيلم ذا مسحة شعرية، من خلال الموسيقى لنقدم إحساساً بشاعرية هذه الشخصية التي يتكلم عنها الجميع".

وقد شهدت أيام ملتقى بغداد التشكيلي الدولي تكريم الدولة لهذا الفنان الرائد في مجال رسوم الأطفال، بعد أن زيّنت رسومه المئات من الكتب التي عكست اهتمامه بالحكايات الشعبية والإفادة من الرمزيات الرافدية القديمة.