سيف القذافي بين الجنائية الدولية والحكومة الليبية

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
23 دقيقة للقراءة

منذ اعتقال "سيف الإسلام القذافى" في 19 نوفمبر 2011 بواسطة ثوار الزنتان في غرب ليبيا، احتدم النزاع القانوني بين الدولة الليبية التي تتمسك بحقها فى محاكمته، وتعتبر هذه القضية مسألة ماسة بشرف وهيبة وكرامة الدولة الليبية، وبين المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي التي تصر على ولايتها القضائية فى المحاكمة بزعم عدم قدرة السلطات القضائية الليبية على إجراء هذه المحاكمة على أراضيها.

كانت المحكمة الجنائية الدولية قد عقدت بمقرها بلاهاي يومي 8 و9 أكتوبر الحالي جلسة الاستماع الحاسمة للنظر في طعن الحكومة الليبية في طلب المحكمة من السلطات الليبية التعاون التام والفوري لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1970 لعام 2011، والذي قضي بإحالة الوضع في ليبيا إلي المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، وذلك للبدء في التحقيق ثم محاسبة المسئولية عن استهداف السكان المدنيين العزل في ليبيا منذ يوم 15 فبراير عام 2011 وهو تاريخ اندلاع الثورة في ليبيا وحتى يوم 28 فبراير من ذات العام.
كانت المحكمة الجنائية الدولية وبموجب قرار مجلس الأمن المشار إليه قد كررت طلباتها من الحكومة الليبية التعاون التام في تسليم المتهم "سيف الإسلام القذافي"، وذلك بعد أن أصدرت غرفة ما قبل المحاكمة للمحكمة بتاريخ 27 يونيه عام 2011 أمر اعتقال بحق "سيف الإسلام القذافي"، فضلا عن العقيد معمر القذافي، وعبد الله السنوسي رئيس الاستخبارات في عهد القذافي.

شهدت أروقة المحكمة بلاهاي يومي 10 و11 أكتوبر الحالي نزاعا قانونيا محتدما، بين فريق الدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية الذي حاجج بالعديد من الأسانيد القانونية التي تؤكد مقبولية الدعوي الجنائية أمام المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي، وفريق الدفاع عن الحكومة الليبية الذي حاول أن يعدم أية ولاية قضائية للمحكمة علي مقاضاة المتهم الليبي "سيف الإسلام القذافي".

وفيما يلي سنعرض في دراستنا لأهم هذه الدفوع القانونية للفريقين المتنازعين أمام المحكمة والتي سيكون لها الفصل في النهاية أمام أي من المحاكم سيلقي المتهم "سيف الإسلام القذافي" جزاءه ومصيره المحتوم.
الجنائية الدولية.. لمحة عامة

تخضع المحكمة الجنائية الدولية لنظام روما الأساسي، وقد أنشئت بموجب معاهدة دولية للإسهام في وضع حد لإفلات مرتكبي أخطر الجرائم المثيرة لقلق المجتمع الدولي من العقاب، والمحكمة مؤسسة دولية مستقلة غير تابعة لمنظومة الأمم المتحدة، ومقرها في لاهاي بهولندا، ووصل عدد أعضائها 121 دولة فى يوليو 2012، ليس من بينها إلا أربعة دول عربية، هى: الأردن، جيبوتي، جزر القمر، تونس. ومن ثم تعد المنطقة العربية أفقر منطقة جغرافية انضماما للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

لقد تاق المجتمع الدولي إلى إنشاء محكمة دولية دائما، وقد توصل في نهاية القرن العشرين إلى توافق آراء بشأن تعاريف جريمة الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وبالرغم من إنشاء العديد من المحاكم الجنائية الدولية الخاصة منذ تسعينيات القرن المنصرم، بيد أن هذه المحاكم كانت قد أنشئت للمقاضاة على الجرائم المرتكبة فقط خلال فترة زمنية محددة وفى إطار نزاع معين، ومن هنا أجمعت الآراء على ضرورة إنشاء محكمة جنائية دولية مستقلة، وفى 17 يوليو 1998 وصل المجتمع الدولي إلى منعطف تاريخي حين اعتمدت 120 دولة –ليس من بينها ليبيا- نظام روما الأساسي ليكون الأساس القانوني الذي تأسست بمقتضاه أول محكمة جنائية الدولية دائمة، ودخل نظام روما حيز النفاذ في الأول من يوليو 2002 بعد مصادقة 60 دولة على ذلك النظام.
اختصاصات المحكمة:

يشمل نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره، وهي جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم العدوان التي ترتكب بعد الأول من يوليو 2002.

يعطى نظام روما الأساسي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة صلاحيتين:
1- يمكن لمجلس الأمن وفقاً للفصل السابع من الميثاق مطالبة المدعى العام للمحكمة بفتح التحقيقات، التي تبقى نتائجها مفتوحة وفقاً لقواعد النظام. (المادة 13)
2- إذا قدم مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للمحكمة وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة التماساً وفقاً للقرار الذي تبنته الأمم المتحدة، فلا يجوز لمدة 12 شهراً البدء أو الاستمرار في التحقيق أو الملاحقة الجنائية، واستناداً إلى هذا النظـام، يمكن لمجلس الأمن تحت نفس الشروط تكرار الطلب (المادة 16).
وتبدو الحكمة من جعل مجلس الأمن له سلطة الإحالة إلى المحكمة أنه يمكن لمجلس الأمن أن يستخدم سلطة الإنفاذ في التأكد من أن كل الدول الأعضاء الأمم المتحدة- سواء أكانت أطرافاً أو لم تكن- في نظام المحكمة تنصاع لطلبات المحكمة، وذلك بموجب الفصل السابع من ميثاق منظمة الأمم المتحدة.
ويقوم أساس الطبيعة التكاملية للولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية، على أن المحكمة هي الملاذ الأخير، حيث تنهض هذه الولاية للمحكمة حين لا ينعقد الاختصاص القضائي الوطني سواء لعدم رغبة الدولة في المقاضاة، أو لعدم قدرتها لإعمال هذه المقاضاة.
لذا يعد مبدأ التكامل أهم المبادئ الرئيسية التي يتأسس عليها نظام المحكمة حيث أشارت ديباجة نظام روما المنشئ للمحكمة إلى ذلك صراحة، بقوله (... وتكون المحكمة مكملة للولايات القضائية الجنائية الوطنية...).
فاختصاص المحكمة لا يعد بديلا عن اختصاص القضاء الوطني للدول الأطراف في نظام روما الأساسي، وقد عد العديد من الفقهاء هذا المبدأ حجر الزاوية في إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، ويرى البعض الآخر أن اختصاص هذه المحكمة يعد اختصاصا احتياطيا لسلطات القضاء الوطني، إذا لم ينهض هذا الأخير في مقاضاة إحدى الجرائم المنصوص عليها في نظام روما الأساسي، فقضاء المحكمة الجنائية الدولية يكمل الاختصاص القضائي الوطني إذا كان هذا القضاء غير مختص أو غير منعقد حتى لا يفلت مرتكب الجرائم من العقاب.

ويعد هذا الدفع - تكاملية نظام المحكمة الجنائية الدولية- أحد أهم الدفوع التي دفع بها فريق الدفاع الليبي الذي طعن على ولاية المحكمة في مقاضاة "سيف الإسلام القذافى"، حيث أكد الفريق أن القضاء الليبي جاهز وناجز لمقاضاة "سيف الإسلام القذافى"، ومن ثم لا ينعقد ذلك الاختصاص التكميلي للمحكمة في هذه الحالة.
التزام الدولة غير الطرف (ليبيا) في النظام الأساسي للمحكمة بالتعاون مع المحكمة:
من المهم الإشارة ابتداء إلى أن نجاح المحكمة الجنائية الدولية يرتكز، في أداء وظائفها وإنجازها لأهدافها، على مدى تعاون الدول أطراف النظام الأساسي وأيضا الدول غير الأطراف في المحكمة.
ويعد تعاون الدول مع المحكمة أمرا مهما للغاية. ويرجع ذلك إلى أن المحكمة-خلافا للمحاكم الوطنية- لا تمتلك قوة بوليس بموجب اختصاصها القضائي، ولا تمتلك أيضا قوات مسلحة تابعة لها.
فإذا كانت المحكمة تستطيع أن تصدر أوامر باعتقال المتهمين بارتكاب الجرائم الدولية المعّرفة في نظامها الأساسي، وملاحقة هؤلاء المتهمين، فإنها تعجز عن تنفيذ إجراءا قضائيا مثل القبض على المتهمين بارتكاب هذه الجرائم.
أيضا وفى أثناء مباشرة المحكمة للتحقيقات في القضايا، تعتمد على تعاون الدول في أمور عدة، مثل المساعدة في إجراء التحريات، وجمع الأدلة، وإجراءات الاعتقال، ونقل المتهم، وتنفيذ الأحكام القضائية.
ووفقا لميثاق المحكمة الجنائية الدولية، فإن المحكمة مخولة بأن تقدم للدول الأطراف طلبات للتعاون مع المحكمة، وتلتزم هذه الدول الأطراف بالتعاون بشكل كامل مع المحكمة. بيد أن المحكمة يمكن لها أن تدعو الدول غير الأطراف لأن تقدم المساعدة، وفقا لترتيبات خاصة.

ومن الصعوبة بمكان تصور أن تقوم دولة غير طرف في النظام الأساسي للمحكمة – مثل ليبيا- بالامتثال لطلبات المحكمة باعتقال ونقل مسئوليها وقادتها المتهمين من قبل المحكمة، وذلك لتقوم هذه الهيئة القضائية الدولية بمقاضاتهم، إلا في حالات خاصة، وذلك حين يتم خلع أنظمة غير ديمقراطية وحلول نظم أخرى تنفذ حكم القانون.
وحين نتناول التزام ليبيا -الدولة غير الطرف في نظام المحكمة الجنائية- بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، فإنه يلزم أن ندرك أن مجلس الأمن -ووفقا للقرار 1970- هو الذي أحال الحالة في ليبيا إلى المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية، وذلك لتحقيق السلم والأمن الدوليين في ليبيا، وذلك عن طريق إقرار العدالة هناك بواسطة المحكمة الجنائية الدولية، وأن كافة الدول أعضاء منظمة الأمم المتحدة ملتزمة -وفقا للمادة (25) من ميثاق المنظمة- بجميع القرارات التي تصدر عن مجلس الأمن، ونتيجة لذلك، فإن مجلس الأمن يستطيع، حين يحيل حالة إلى المدعى العام للمحكمة، أن يطلب من كل الدول أعضاء الأمم المتحدة أن تتعاون مع المدعى العام للمحكمة.
لقد نص القرار 1970 علي: (إن الحكومة الليبية وكل الأطراف الأخرى في النزاع في ليبيا عليها الالتزام بالتعاون كليا وتقديم جميع المساعدة الضرورية للمحكمة والمدعى العام وفقا لذلك القرار).

ولا تستطيع ليبيا في هذه الحالة أن تتمسك بمبدأ الرضائية، حتى تتنصل من التزامها بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية إعمالا وإنفاذا لقرار مجلس الأمن المشار إليه، وذلك بزعم أن ليبيا ليست دولة طرف في النظام الأساسي لهذه المحكمة، حيث إن ميثاق الأمم المتحدة ذاته كان قد خرج على مبدأ الرضائية بنص المادة (2/6) من الميثاق، التي جاء فيها أنه: "تعمل الهيئة على أن تسير الدول غير الأعضاء فيها على هدى هذه المبادئ بقدر ما تقتضيه ضرورة حفظ السلام والأمن الدوليين". وكان مبرر هذا النص هو أن هذه المنظمة لا يمكن أن تحقق أهدافها في حفظ السلم والأمن الدوليين إذا سمح لبعض الدول بخرق ما تتضمنه من قواعد ومبادئ لازمة لحفظ السلم والأمن تحت ذريعة أن هذه الدول ليست طرفًا في هذه المنظمة، ومن ثم لا يشملها اختصاصها، لأن قبول ذلك سيعيدنا إلى عصر بربرية العلاقات الدولية، الذي كانت القوة فيه هي القانون الذي يحكم تلك العلاقات.

تجدر الإشارة إلى أن المادة الثالثة بعد المائة من ميثاق منظمة الأمم المتحدة تنص على أنه: "إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء "الأمم المتحدة" وفقا لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي آخر يرتبطون به فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق".
وهذا يعنى ضرورة امتثال الدول أعضاء منظمة الأمم المتحدة لإنفاذ كافة القرارات التي تصدر عن منظمة الأمم المتحدة وأجهزتها ووكالاتها المتخصصة المختلفة.
وحين يحال إلى المحكمة أية حالة من مجلس الأمن للتحقيق فيها أو نظرها فالمحكمة تقوم بهذا الدور باعتبارها تمثل المجتمع الدولي كله وأن لديها –أو تفترض أن لديها- دعم جميع الدول وليس فقط الدول الأطراف في نظام المحكمة الأساسي، وهنا لا يعنى المحكمة التحقق عما إذا كانت الدولة التي ارتكبت على إقليمها الجرائم الدولية طرفا في نظام المحكمة الأساسي من عدمه، أو أن مرتكبي هذه الجرائم مواطنين لدولة طرف في نظامه الأساسي من عدمه أيضا.

أيضا لا يعنى المحكمة ما إذا كانت دولة بعينها قد أعلنت قبولها لاختصاص المحكمة -بشأن جريمة معينة- من عدمه طبقا لنص المادة (12/3) من نظام المحكمة الأساسي. لكن المهم بالنسبة للمحكمة ما تنص عليه المادتان (2/6) و(25) من ميثاق منظمة الأمم المتحدة، حيث تلتزم كافة الدول الأعضاء بالمنظمة بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة طبقا للفصل السابع من الميثاق.

صفوة القول أنه قد لا يمكن للدول غير الأطراف فى نظام المحكمة التمسك بمبدأ الرضائية، وأنها ليست طرفًا في الاتفاقية المعنية بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، لكي تبرئ الأشخاص المتهمين بارتكاب أبشع الجرائم (الجرائم المدرجة في النظام الأساسي)، وتحميهم من العقاب، وتريد أن ترسخ هذه الحماية وهذا التهرب بنصوص قانونية؛ إذ يعد ذلك غير منطقي، ولا يرضى الشعور العام.
الآثار القانونية لعدم التزام ليبيا بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية:
تزعم المحكمة الجنائية الدولية، أنه منذ أن أحال مجلس الأمن الحالة في ليبيا إلى المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية، لم تبد ليبيا مظاهر التعاون الإيجابي الذي تتوخاه المحكمة من السلطات الليبية، بل وأكدت على لسان العديد من مسئوليها على عدم الاعتراف بولاية المحكمة.

إن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ميز -وإن كان بشكل طفيف- بين عدم التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، وكل من الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة، والدول غير الأطراف في ذلك النظام كحالة ليبيا.
وفى الحالة الليبية، ولأن مجلس الأمن هو الذي أحال الحالة هناك إلى مجلس الأمن، فعند عدم تعاون ليبيا -الدولة غير الطرف- مع المحكمة، تستطيع المحكمة أن تخطر مجلس الأمن بعدم تعاون ليبيا معها.

وهنا، يتعامل مجلس الأمن مع هذا الموقف، وفقا لميثاق منظمة الأمم المتحدة، وعند الضرورة يمكن لمجلس الأمن أن يفرض العقوبات المناسبة ضد ليبيا، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وكون أن ليبيا دولة غير طرف في نظام المحكمة لا يغير من الأمر شيئا. وفى كل الحالات الأخرى، يمكن للمحكمة الجنائية الدولية، على الأقل، أن تخطر جمعية الدول الأطراف للمحكمة الجنائية الدولية بعدم تعاون ليبيا مع المحكمة.
بيد أن المادة (112) (و) (2) من نظام المحكمة التي تنظم هذه المسألة، لا تنص على إجراءات محددة يمكن أن تتخذها الجمعية في ذلك الصدد. أيضا، ولا تستطيع جمعية الدول الأطراف للمحكمة أن تقر بمسئولية تلك الدولة غير الطرف التي لا تتعاون مع المحكمة.
جدير بالذكر أنه في حالة عدم انصياع أي دولة عضو في منظمة الأمم المتحدة، بالتعاون مع المحاكم الجنائية الدولية الخاصة والتي أنشأها مجلس الأمن -محكمتي يوجوسلافيا ورواندا الدوليتين- باعتبارها أجهزة ثانوية أو فرعية لمجلس الأمن، فإن المجلس له أن يتصرف ومباشرة باتخاذ إجراءات قسرية ضد هذه الدول بموجب الفصل السابع من ميثاق منظمة الأمم المتحدة.

وعلى النقيض من ذلك، ونظرا لأن المحكمة الجنائية الدولية ليست جهازا فرعيا لمجلس الأمن، وليست أيضا أحد أجهزة منظمة الأمم المتحدة، فهنا ينتظر مجلس الأمن أن تبلغه رسميا المحكمة الجنائية الدولية بعدم تعاون دولة غير طرف في النظام الأساسي للمحكمة معها، وذلك حتى يتسنى للمجلس ما يراه مناسبا لإرغام هذه الدولة على التعاون مع المحكمة.

وبالرغم من أن قرار الإحالة الصادر من مجلس الأمن رقم 1970 في فبراير 2011 يعد أحد أهم الركائز القانونية التي ما فتئ فريق الدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية يحاجج به، وذلك لأجل تأكيد ولاية المحكمة القضائية على قضية المتهم "سيف الإسلام القذافى"، إلا أن ذات الفريق حاجج أيضًا بأن السلطات الليبية نكصت عن الوفاء بالتزاماتها القانونية حيال ضمان حقوق المتهم "سيف الإسلام القذافى"، وذلك في مرحلة ما قبل المحاكمة، ومن ثم فإنه وفقا لفريق الدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية، لا تستطيع هذه الهيئة القضائية الدولية أن تثق في قدرة السلطات القضائية الليبية في إعمال ذات الحقوق للمتهم أثناء محاكمته وبعد محاكمته أيضًا أمام المحاكم الوطنية الليبية.
وتركزت أهم هذه الأدلة والأسانيد القانونية لفريق دفاع المحكمة على أمرين اثنين:
أولهما: انتهاك السلطات الليبية لحق "سيف الإسلام القذافى" في الحصول على مساعدة من محام.

وثانيهما: عدم قدرة الحكومة الليبية على مقاضاة سيف الإسلام.

الحق في الحصول على مساعدة من محامٍ:

نصت العديد من المواثيق الدولية ومن بينها العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، فضلا عن دساتير كافة الدول على حق المتهم في الدفاع أي الاستعانة بمحام يتيح للمتهم حق الدفاع، واثبات نفى الدعوى والاتهام الموجه للمتهم، وهذا الحق مكفول للمتهم "سيف الإسلام القذافي" بمجرد توجيه الاتهام له من قبل الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية في يونيه عام 2011، وإذا كان الأصل أن يقوم المتهم باختيار الوكيل أو المحامى الذي يدافع عنه أمام جهة الادعاء، فان النظام الأساسي للمحكمة الجنائية- الهيئة القضائية التي بادرت بتوجيه الاتهام- يكفل للمحكمة والمتهم بأن تقوم المحكمة باختيار هيئة للدفاع عن المتهم من المحكمة ذاتها.
وينصرف الحق في الاستعانة بمحام في كافة مراحل الإجراءات الجنائية بما في ذلك المراحل السابقة على المحاكمة وهى مرحلة الاستجوابات، حيث يعد اتصال المتهم بمحامٍيه ضمانة هامة تقي المتهم من التعرض للتعذيب أو سوء المعاملة أو الإكراه على الإدلاء باعترافات أو غير ذلك من الانتهاكات.

إن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان واللجنة الأمريكية الدولية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قد أقرت جميعا بأن الحق في المحاكمة العادلة يقتضى السماح للشخص بالاستعانة بمحامٍ أثناء احتجازه واستجوابه وخلال التحقيقات المبدئية، وهذا ما يكفله أيضا النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وتعد هذه المسألة- المعضلة- القانونية، جوهر النزاع القانوني الحاصل منذ شهر يوليو 2012 بين المحكمة الجنائية الدولية من جانب والحكومة الليبية من جانب آخر، حيث تؤكد المحكمة الجنائية الدولية أن السلطات الوطنية الليبية قد انتهكت حقوق المتهم "سيف الإسلام القذافي" في توفير ضمانات المحاكمة العادلة بشكل عام، وتحديدا فيما يتعلق بحق المتهم "سيف الإسلام القذافي" "المحتجز" في الاتصال بمحامٍ، وأن يتشاور معه في سرية تامة، وأن السلطات الليبية وفقا لزعم المحكمة لم توفر المساحة الزمنية الكافية، ولا التسهيلات الضرورية لإجراء مثل هذه الاتصالات بين فريق الدفاع والمتهم "سيف الإسلام".

فأحد أهم الحقوق التي كفلها نظام المحكمة الجنائية الدولية لسيف الإسلام الحصول على مساحة زمنية وتسهيلات كافية لإعداد دفاعه، وأن يمنح فرصاً للاتصال بمحاميه على انفراد. وينطبق هذا الحق على جميع مراحل الإجراءات الجنائية، وفى المقابل فعلى الحكومة الليبية واجب قانوني وهو ضمان أن ينال "سيف الإسلام القذافي" فرصاً للتشاور مع محاميه والاتصال بهم بدون إبطاء أو رقابة، وعدم تعرض دفاع المتهم "سيف الإسلام القذافي"، لأية معوقات أو مضايقات أو تدخل غير لائق من أي جانب، هذه المعوقات والمضيقات التي أكدتها محامية "سيف الإسلام القذافي" أمام المحكمة يوم الثلاثاء 9 أكتوبر الحالي، حيث أشارت إلى احتجاز السلطات الليبية لها لمدة ناهزت شهر في مدينة الزينتان، حين كانت تقوم بالتشاور مع موكلها في محبسه، ومن ثم يُعد هذا الدفع من قبل محامية "سيف الإسلام القذافي"، أحد أهم المآخذ التي يمكن أن تكون مبعث لقلق وتخوف المحكمة الجنائية الدولية، من قدرة السلطات الليبية في توفير محاكمة عادلة للمتهم، تتوافر فيها كافة ضمانات السلامة والأمن، سواء للمتهم، أو فريق الدفاع، أو هيئة المحكمة، أو الضحايا، أو الشهود.

ومعنى الحق في سرية الاتصال أنه يحظر فرض أي ضرب من ضروب التدخل أو الرقابة من جانب السلطات الوطنية على الاتصالات التحريرية أو الشفوية (بما في ذلك المكالمات الهاتفية) بين المتهمين ومحاميهم.
ولا يجوز الأخذ بالمراسلات التي تتم بين المحتجز أو السجين -المتهم سيف الإسلام القذافي- ومحاميه كدليل إدانة ضده، ما لم تكن متصلة بارتكاب جريمة مازالت مستمرة أو يُدبر لها.

فحين قامت السلطات الليبية في السابع من يونيه 2012 باحتجاز أربعة من فريق الدفاع عن المتهم "سيف الإسلام القذافي" في مدينة الزنتان، بزعم تهريبهم وثائق ومراسلات من والى المتهم سيف الإسلام، ثار جدل قانوني بين السلطات الليبية التي زعمت أن تصرف فريق الدفاع المحتجز قد أضر بالأمن القومي الليبي والذي يصونه النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ذاته، وبين المحكمة الجنائية الدولية التي زعمت أيضا أن ذلك الإجراء من قبل السلطات الليبية ينتهك الحصانات والامتيازات التي نص عليها أيضا نظام المحكمة.

لقد زعم دفاع المحكمة الجنائية الدولية أن احتجاز الموظفين الأربعة للمحكمة بواسطة منتسبى لواء الزنتان وحرمانهم من حريتهم في ليبيا ولمدة زادت عن ثلاثة أسابيع، والحيلولة دون قيامهم بأداء مهامهم أدى إلى تقويض حق "سيف الإسلام القذافي" القذافى في الحصول على دفاع قانوني ناجز، وتسبب بتأخير صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية المتعلق بالطلب الذي تقدمت به ليبيا من أجل محاكمة "سيف الإسلام القذافي"أمام المحاكم الليبية".

كما فند فريق دفاع المحكمة إدعاءات السلطات الليبية الموجهة ضدهم بارتكابهم جريمة التجسس، وبأن واقعة احتجاز موظفي المحكمة الجنائية الأربعة في ليبيا تُظهر بأن السلطات الليبية لا تأخذ على مأخذ الجد حق "سيف الإسلام القذافي" بالحصول على دفاع ناجز وفعال، ومن ثم تشك المحكمة باحتمال عدم حصوله على محاكمة عادلة داخل ليبيا أمام القضاء الليبى.

وقالت ميليندا تايلور محامية "سيف الإسلام القذافي" الأربعاء 10 أكتوبر الحالي أن محاكمة سيف الإسلام في ليبيا "لن تكون بدافع إحقاق العدالة بل رغبة في الانتقام"، وان حق سيف الإسلام القذافي في محاكمة عادلة لا يزال ينتهك، وأضافت أن "سيف الإسلام القذافي" ليس شخصا يخضع لتجارب واختبارات السلطات الليبية، بل أنه إنسان له حقوق أصيلة، ولا يفترض أن يقبع في السجن لحين قيام السلطات الليبية ببناء نظام قضائي جديد يستغرق أمدا طويلا.

واختتمت ميليندا تايلور محامية سيف الاسلام القذافي، مرافعاتها أمام المحكمة الجنائية الدولية بأن سمعة المحكمة الجنائية الدولية ستتضرر إذا تنازلت المحكمة عن ولايتها القضائية بمحاكمة "سيف الإسلام"، ومكنت السلطات الوطنية الليبية من مقاضاة "سيف الإسلام القذافي" داخل ليبيا.

في قدرة الحكومة الليبية على مقاضاة سيف الإسلام:
تتمحور خطة المحكمة الجنائية الدولية في إفشال الطعن الليبي على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بمقاضاة المتهم "سيف الإسلام القذافي" على إثبات عجز السلطات القضائية الليبية في مقاضاة "سيف الإسلام القذافي"، وإخفاقها في توفير ضمانات المحاكمة العادلة وفقا للمعايير الدولية، وتستند المحكمة في ذلك على تصريحات رسمية سواء لمسئولي الحكومة الليبية، أو مسئولي الملف الليبي بشأن مقاضاة "سيف الإسلام القذافي" أمام المحكمة الجنائية الدولية.

لقد أكد الدكتور أحمد الجهاني أستاذ القانون الجنائي في ليبيا وممثل الحكومة الليبية أمام المحكمة الجنائية الدولية في مقابلة صحفية يوم 27 مايو 2012 أن عدم تنفيذ المجلس الانتقالي لوعده بتسديد مرتبات ثوار الزنتان أخّر نقل "سيف الإسلام القذافي" لسجنه في طرابلس، وأشار أيضا إلى الصعوبة البالغة في نقل "سيف الإسلام القذافي" من محبسه في الزنتان إلى طرابلس للمحاكمة .

لقد أشارت العديد من المنظمات الحقوقية إلى المخاطر المتعلقة باحتمال طغيان الانتهاكات الحقوقية المستمرة في ليبيا على اللحظة التاريخية للثورة، مما قد يدفع بالبلاد إلى سلوك المسار الخاطئ. وتزعم هذه المنظمات أيضا أن الإفلات من العقاب هو العرف السائد في ليبيا، وذلك فيما يتعلق بما يُرتكب من عمليات القتل غير المشروع، والاعتقالات والاحتجاز التعسفي، والتعذيب، وخصوصاً التعذيب حتى الموت والنزوح القسري.
ولا يزال الآلاف ممن يُشتبه بأنهم من الموالين للقذافي وجنوده قيد الاحتجاز حتى الآن؛ حيث تحتجز العديد منهم ميليشيات مسلحة تنشط خارج أُطر القانون مستخدمةً في ذلك مرافق ومنشآت احتجاز غير رسمية، يتعرض المحتجزين فيها إلى خطر التعذيب وغير ذلك من ضروب سوء المعاملة.

وبالنسبة إلى الغالبية العظمى من أولئك المحتجزين، فلم يجْرِ بعد إسناد أية تهم إليهم فيما يتعلق بارتكابهم أية جرائم، ولا يزالون يُحرمون من الاتصال بمحامين للدفاع عنهم.
كما يلزم أن يكون الاختصاص القضائي الوطني قادرا وجاهزا للتطبيق على الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية المنصوص عليها في نظام روما الأساسي. ومن ثم فإن الاختصاص القضائي الوطني لا يكون له معنى من دون أن تقوم الدولة بموائمة تشريعاتها الوطنية بما يستوعب حكم الجرائم المنصوص عليها في نظام روما الأساسي، وهذه البديهية القانونية تستلزم على ليبيا بأن تُضمن الجرائم ضد الإنسانية في تشريعاتها الوطنية وتحدد العقوبات إزاءها، وهى الجرائم محل اتهام المحكمة الجنائية الدولية للمتهم "سيف الإسلام القذافي"، وهذا التضمين التشريعي للجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية يعد وسيلة قانونية متطلبة للدولة الليبية حتى تستطيع أن تمارس اختصاصها القضائي على الجرائم ضد الإنسانية ومرتكبيها -ومن بينهم "سيف الإسلام القذافي"- وإعمال نصوص قانونها الداخلي عليها.
الخاتمة:

أظهرت المداولات القضائية المحتدمة بين المحكمة الجنائية الدولية، والحكومة الليبية يومي 9 و10 أكتوبر الحالي في مقر المحكمة بلاهاي العديد من المسائل القانونية المهمة، والتي يأتي على رأسها مبدأ سيادة الدولة، الذي يتجلى في بسط الدولة تشريعاتها وقضائها،على كافة الجرائم التي ترتكب على إقليم الدولة، كما أظهرت المداولات أيضا أهمية آلية المحاكمات للمسئولين عن ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في عهود الطغيان والاستبداد والقهر، وضرورة الاقتصاص لضحايا هذه الانتهاكات من قبل الأجهزة القضائية الوطنية، وإحساس الشعب في مراحل الانتقال والتحول برد الاعتبار واسترداد الهيبة والشرف والكرامة عن طريق إجراء مثل هذه المحاكمات على ترابه الوطني.

بيد أن الإحساس بالزهو والفخار ورد الاعتبار، يجب ألا يعدم الحقائق القانونية الراسخة والتي يأتي في القلب منها: ضمانات المحاكمة العادلة، وتضمين التشريعات الوطنية للدول للجرائم الدولية التي ترغب في مقاضاتها، وأهمية المحكمة الجنائية الدولية، ذلك الصرح القضائي الجنائي العالمي الشامخ باعتباره صمام الأمان الذي يكافح ثقافة الإفلات من العقاب والتي استشرت في العقود الأخيرة.

إن كافة الدول العربية، وأجهزتها القضائية يجب أن تدرس بعناية ذلك الصراع القانوني الإنساني، حتى تستفيد منه وتتعلم الدروس والعبر، من أجل إصلاح نظمها القضائية، وضمان استقلالها، وأيضا احترام حقوق الإنسان العربي الأساسية، وحرياته العامة، فلا سبيل للتقدم، ولا طريق للتنمية والرفاهية والرخاء إلا باحترام الكرامة الإنسانية.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.