"ماري تيفوئيد".. هكذا قضت امرأة 26 عاماً بالحجر الصحي

نشر في: آخر تحديث:

على مدار التاريخ، كان العالم على موعد مع العديد من الأوبئة التي عصفت بالبشرية لتتسبب في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.

فإضافة للتيفوس الذي أفشل حملة نابليون بونابرت على روسيا عام 1812 والطاعون الأسود الذي أزهق أرواح نحو ثلث سكان أوروبا بالقرن الرابع عشر، والأنفلونزا الإسبانية التي قتلت زهاء 50 مليون شخص بالقرن العشرين، عانى العالم طيلة السنين السابقة من مرض حمى التيفوئيد (Typhoid fever)، فسنويا يسفر هذا المرض عن وفاة عشرات آلاف الأشخاص خاصة بالدول الفقيرة.

وفي خضم هذه الأحداث، سجّل التاريخ خلال القرن الماضي حادثة فريدة من نوعها ارتبطت بحمى التيفوئيد، وكانت ضحيتها امرأة إيرلندية الأصل عرفت بماري مالون (Mary Mallon) ولقّبت من قبل الصحفيين بـ"ماري تيفوئيد".

فخلال صيف عام 1906، عملت ماري مالون طباخة لدى إحدى العائلات الثرية المقيمة ببلدة أوستر باي قرب نيويورك. وأثناء تلك الفترة، سجّل مرض التيفوئيد ظهوره بالبلدة فاستنجد الجميع بالطبيب جورج سوبر (George Sopper) لمعرفة أسباب المرض. ومع إجرائه لجملة من الأبحاث، شكك الطبيب في ماري مالون ووصفة مثلجات الخوخ التي اعتمدت لإعدادها على مكونات غير مطبوخة. أيضا، لاحظ الطبيب سوبر انتشار التيفوئيد بجميع المنازل التي عملت بها ماري مالون وفي مقابل ذلك لم تبد الأخيرة أية أعراض للمرض.

وبعد عام واحد، التقى الطبيب جورج سوبر بماري مالون بمدينة نيويورك تزامنا مع ظهور حالات حمى تيفوئيد بها. فأمر على الفور بإرسالها نحو المخابر لإجراء عدد من التحاليل ليتبين بذلك أن ماري مالون ناقل عديم الأعراض لمرض حمى التيفوئيد، حيث تحمل الأخيرة بجسدها البكتيريا المسببة للمرض دون أن يكون لذلك أي تأثير على صحّتها.

بادئ الأمر، عرض الأطباء على ماري استئصال مرارتها ومع رفضها لذلك فضّل الجميع إرسالها نحو الحجر الصحي بمستشفى محلي صغير بجزيرة نورث براذر آيلند (North Brother Island) بنيويورك. مكثت ماري مالون نحو 3 سنوات بهذه الجزيرة الصغيرة تعرضت خلالها لهجوم شرس من الصحافة الأميركية التي لقّبتها بـ"ماري تيفوئيد" واتهمتها بنقل العدوى لكامل نيويورك مانحة إياها صورة ساحرة من العصور الوسطى.

لاحقا، رفعت هذه المرأة الإيرلندية الأصل دعوى قضائية اتهمت خلالها المسؤولين بمدينة نيويورك بإجبارها على المكوث بالحجر الصحي مدة طويلة لتفوز بذلك بالقضية ويسمح لها بالمغادرة مقابل تعهدها بالابتعاد عن مهنة الطبخ وغسل يديها بشكل مستمر.

إلى ذلك، لم تف ماري مالون بوعدها وعادت مرة ثانية لمهنة الطبخ منتحلة اسم ماري براون، فألقي القبض عليها بعد 5 سنوات أثناء عملها كطباخة بأحد أقسام التوليد بمانهاتن عقب تسجيل العديد من حالات حمى التيفوئيد و3 وفيات بالمنطقة.

وعقب التعرف على هويتها الحقيقية، أرسلت ماري مالون مجددا نحو الحجر الصحي بالجزيرة، لتمكث هنالك حوالي 23 سنة إضافية قبل أن تفارق الحياة عام 1938 عقب إصابتها بسكتة دماغية.