إسماعيل طه.. المثقف يرحل متّقداً

أحمد القرشي إدريس
أحمد القرشي إدريس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

إسماعيل طه.. ربما لا ينساه من تابعوا إذاعة "بي بي سي عربي" في أواخر السبعينيات حتى أوائل الألفية.. فذلك صوت ملأه الحضور المشتق من حياة ثرية، تنبجس من الصوت، فتكاد تلمسها وتسري فيك بصدقها فتوقرها. وتتآلف معها.. فكلما يأتي صوته كأنما أنت على موعد مع من تعرف وتثق بما ينقل.

وعندما عرفت الرجل في بداية التسعينيات، عندما قررت أن أتقدم للإم بي سي في لندن، لم أستغرب سر الحياة البكر في صوته.. فلم يتردد في دعوتي إلى الاستديو لأسابيع.. فوجدت فيه تلك السمات الإنسانية الغنية من صبر وتواضع وحب للخير شديد ومعرفة ثقافية عميقة بما يدور في العالم. وهو من أول من قيض لهم إجراء حوارات مفتوحة مع قادة عرب وأجانب.. ساعده في كل ذلك معرفة بالإنجليزية ثاقبة وبالعربية نافذة. وكان يردد قول العالم السوداني عبد الله الطيب: أعرف كثيرا من الإنجليزية وقليلا من العربية.

وكان يصر على أن من يريد أن يقرأ الخبر فحري به أن يستوعب معناه، والإلمام بجوانبه المختلفة ويضفي عليه تغييرا خاصا نابعا من ثقافة الشخص المعين ما يجعله مختلفا قريبا من الناس، فيأتي الصوت متواصلا بمعان حقيقية، هذا فضلا عن أن لإسماعيل مكونات في صوته شجية تشبه حنجرة بيئة ثرة خرج منها.

إسماعيل ولد في قرية مورا وهي تلثم ثغرها في النيل، وتكاد تلمس يدها قمة جبل البركل الشهير في السودان مهد ملوك النوبة العظام، وهو وريث ثقافة قبيلة الشايقية الراسخة قواعدها على قيم الشجاعة والإباء والوطنية والتفرد في الإبداع الإنساني الجماعي من كلام وموسيقى وفنون. ومن تعلم القرآن في صغره في ما يعرف بالخلوة في السودان، ومن ثم الثانوية في عطبرة، مدينة الحديد والنار، حاضرة السكة الحديدية، ومن ثم مصر مع عائلته لخمسة عشر عاما، حيث تعرف على فكر ودرس في جامعة القاهرة الهندسة، متبعا نصح أبيه، لكنه أبى واستكبر عليها، وعاد إلى السودان لينال الليسانس في الآداب.

فقد كان منذ شبابه الغض يتهافت نحو المسرح وفن الأداء والأدب عموما. ووجد لذلك مساحة في الإذاعة السودانية وبالدرس والتدريس في معهد الموسيقى والمسرح. بعدها إلى السعودية صحافيا ومن ثم جنيف ثم يعود للسودان فيسافر للإمارات ثم إلى لندن بي بي سي في العام ألف وتسعمئة وستة وسبعين.

وإسماعيل كمثقفين عرب وسودانيين كثر يتلبسهم السياسي حينا ويلبثون فيه أحيانا أخر، وتجد أثر أبي المتنبي فيهم. فهم معتدون بمعارف اكتسبوها بصبر وبصيرة اتقدت فيهم، بيد أنهم يفتقرون إلى صبر السياسيين التقليديين على الناس وتقلب الأزمان.

فصديقنا إسماعيل تقبله الله، انتمى لجماعة الإخوان في الخمسينيات وهو بعد فتى غض، عندما كان في مصر، وواصل نشاطه معهم في الستينيات، لكنه سرعان ما أدبر عنهم، لتعارض شخصيته مع فكر الجماعة، وكذلك معرفته بالدين، واتجه نحو الحركة الاتحادية التي تقودها الطائفة الختمية. بيد أنه كان دائما ثائرا في صفوف الحزب الاتحادي، واختار جناحا فيه قاده المرحوم الشريف زين العابدين الهندي ومن قبله أخيه الشريف حسين، ذلك العارف الحبر بالأدب والفنون وتصاريف الحياة والسياسة.

فكثير من المثقفين رغم الاتهامات للحزب الاتحادي بالطائفية وكذلك حزب الأمة يجدون فيهما تصالحا... فهما يستوعبان بألوانهما المختلفة بعد الانشقاقات التي وقع فيهما، الطاقة الوطنية التي تعتمل عند كثيرين وتفكهم من أسر الأيدولوجيا المرهقة لليسار والإخوان وتبعاتها.

رحل إسماعيل وسط عائلته في لندن في سن الثامنة والسبعين، وترى في عينيه اتقاد ذلك الاشرئباب النبيل إلى القيام بأكثر مما تيسر له في حياته.. وعرض في السنوات الأخيرة كثيرا من الأفكار الخيرة على أقرانه الوزراء الموجودين ضمن الائتلاف الحاكم.. واختار بعدها رئاسة جمعية كبار السن، ليكون خادما لهم كما كان يردد.. وأمل أيضا في ألم العارف بواقع بلده، في مشروعات عدة لهم وسط عوامل قاسية في السودان.. لكن الموت اختاره وترك الكثير من الأمل مسطرا بيديه.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.