"الإخوان" والسلفية "الجهادية"... في تونس ومصر

وحيد عبد المجيد
وحيد عبد المجيد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

تثير المواجهات العنيفة التي حدثت بين قوات الأمن التابعة لحكومة تقودها حركة «النهضة» وأعضاء جماعة «أنصار الشريعة» في تونس الشهر الماضي أسئلة عن مستقبل العلاقة بين جماعة «الإخوان» والقوى السلفية المتطرفة المسماة «جهادية» في مصر، خاصة على ضوء وجود قواعد ارتكاز لجماعات مسلحة مرتبطة ببعض هذه القوى في سيناء واتجاه إحداها إلى التصعيد عبر اختطاف سبعة جنود يوم 15 مايو قبل إطلاق سراحهم في 22 من الشهر نفسه.

فقد تدهورت العلاقة بين حركة «النهضة» ذات المرجعية الإخوانية وجماعة «أنصار الشريعة» ذات المرجعية السلفية الجهادية بشدة في الشهر الماضي، وتحديداً منذ المواجهات التي وقعت مساء 11 منه في عدد من المناطق عندما منعت قوات الأمن شباناً ينتمون إلى هذه الجماعة من إقامة مخيمات بدون ترخيص مسبق.

وكانت تلك المواجهات هي نقطة الذروة في تصعيد تدريجي متبادل بدأ في منتصف أبريل الماضي بالتزامن مع اتخاذ حكومة حركة «النهضة» إجراءات أمنية مشددة لمواجهة مجموعات مسلحة تابعة لتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» في منطقة جبلية غرب البلاد بالقرب من الحدود مع الجزائر. واقترن هذا التصعيد بازدياد حدة الهجوم الذي تشنه جماعة «أنصار الشريعة» ضد الحكومة وصولا إلى اتهامها بأنها تمثل «حكم الطاغوت»، واتجاه قوات الأمن إلى التضييق على هذه الجماعة وأتباعها.

وأدى إعلان وزارة الداخلية منع الملتقى السنوي الثالث لهذه الجماعة، والذي كان مقرراً عقده في 19 مايو الماضي، إلى ازدياد التدهور إلى حد أن زعيم التيار السلفي الجهادي في تونس، سيف الله المكني، وجه رسالة تحريضية إلى أنصاره قال فيها إن «شبابنا الذي أظهر من البطولات في الذود عن الإسلام في أفغانستان والعراق والصومال والشام، لن يتوانى عن التضحية من أجل دينه في أرض القيروان».

وردت الحكومة مؤكدة أن «الدولة تستخدم الإجراءات الكفيلة بحفظ هيبتها مهما كان الثمن، وستمنع أي خرق للقوانين أو تهديداً للسلامة والنظام العام».

والأرجح أن المواجهات العنيفة التي حدثت يومي 18 و 19 مايو الماضي، بسبب إصرار «أنصار الشريعة» على عقد الملتقى السنوي رغم أنف الحكومة، لن تكون الأخيرة بعد أن انتهت المرحلة التي لجأت فيها حركة «النهضة» إلى مهادنة السلفية الجهادية ومحاولة استيعابها عبر الحوار. فقد فرض حدوث أعمال عنف متوالية منذ الهجوم الدامي على السفارة الأميركية في تونس، في 14 سبتمبر 2012، على حركة «النهضة» مراجعة موقفها المهادن، خاصة بعد ظهور مؤشرات على وجود علاقة بين «أنصار الشريعة» وجماعات سلفية جهادية أخرى وتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».

غير أن موقف جماعة «الإخوان» وسلطتها في مصر تجاه الجماعات المشابهة، التي يُعد بعضها أكثر تطرفاً وخطراً من جماعة «أنصار الشريعة»، لايزال في مرحلة المهادنة حتى بعد أن أثبت اختطاف سبعة جنود في سيناء مدى الخطر الذي تمثله هذه الجماعات.

فمازالت جماعة «الإخوان» وسلطتها تراهنان على إمكان التعايش مع جماعات مسلحة تتهم هذه السلطة بأنها «خارجة على شرع الله»، لكنها لا تصل إلى حد اعتبارها نوعاً من «حكم الطاغوت»، بخلاف موقف نظيراتها في تونس تجاه حكومة «النهضة». ويبدو أن جماعات السلفية المسلحة في مصر تحرص بدورها على عدم تصعيد لهجتها ضد سلطة «الإخوان» لكي لا تضعها في زاوية تفرض عليها التحرك ضدها. لذلك فهي تستخدم خطاباً أقل حدة مقارنة بنظيراتها في تونس، بينما أصبحت بعض ممارساتها أخطر من تلك التي قررت حكومة حركة «النهضة» مواجهتها.

ولا تقتصر هذه الممارسات على الجماعات التي تقيم قواعد ارتكاز قوية لها في سيناء الآن، والتي يمكن لسلطة «الإخوان» أن تنكر معرفتها بها أو بالأماكن التي توجد فيها أو تجادل في حجم التهديد الذي تمثله ونوعه، بل تمتد إلى نظيراتها التي يعتبر بعضها أقل تطرفاً في مناطق مصرية أخرى.

فقد أغفلت هذه السلطة مثلا، ومازالت، التهديد الصريح الذي يوجهه بعض هذه الجماعات ضد جهاز الأمن الوطني الذي يعتبر جزءاً من هذه السلطة، بل يُعد أحد أهم أدواتها إلى حد أن الرئيس مرسي كان قد أبدى رغبته عقب توليه منصبه في نقل تبعية هذا الجهاز من وزارة الداخلية إلى رئاسة الجمهورية.

ومع ذلك يتعرض هذا الجهاز لوابل من الهجوم والتهديد عبر تصريحات وبيانات تصدر عن جماعات سلفية جهادية بدعوى أنه يتعقب بعض الإسلاميين. كما قامت بعض هذه الجماعات بتنظيم تظاهرات ضده في أول مايو الماضي، حيث حاصروا مقر الرئيس في شرق القاهرة رافعين الرايات السوداء، وحاول بعضهم اقتحامه مما أسفر عن تحطيم بعض الواجهات وعدد من الإصابات.

ويمكن تفسير هذا الاختلاف في سياسة سلطة «الإخوان» وحكومة حركة «النهضة» حيال الجماعات السلفية الجهادية التي يحمل بعضها السلاح علناً أو سراً، بعاملين: أولهما، حرص «الإخوان» على أن تظل هذه الجماعات في مصر رصيداً احتياطياً لهم ربما يحتاجون إليه إذا اندلعت انتفاضة شعبية واسعة ضدهم. ففي هذه الحالة، يُرجح أن تبادر الجماعات المذكورة أو بعضها للتدخل سعياً لقمع هذه الانتفاضة، الأمر الذي يتيح لجماعة «الإخوان» تجنب التورط في مواجهة عنيفة.

أما العامل الثاني، فهو اختلاف الخريطة السياسية في البلدين عموماً، وخريطة القوى والجماعات التي تزعم لنفسها مرجعية إسلامية خصوصاً. فهناك أكثر من عشر جماعات سلفية جهادية معروفة في مصر، وأخرى ليست ظاهرة، وكثير منها مسلح، بخلاف الحال في تونس حيث تمثل جماعة «أنصار الشريعة» التعبير الرئيس عن هذا التيار.

كما توجد في مصر جماعات سلفية دعوية ترفض العنف والصدام، وقد أسس بعضها أحزاباً، وفي مقدمتها «حزب النور» الذي أصبح ذراعاً سياسية لجماعة «الدعوة السلفية». ويتيح وجود هذه السلفية الدعوية التي تحولت إلى سلفية سياسية مندمجة في العمل العام، فرصة للحد من التوتر بين سلطة «الإخوان» والجماعات السلفية الجهادية. وتعد السلفية السياسية في مصر على هذا النحو طرفاً ثالثاً وسيطاً لا يوجد مثله في تونس.

غير أنه قد لا يكون بإمكان سلطة «الإخوان» مواصلة سياستها الحالية التي تسعى لتجنب الصدام مع تلك الجماعات في الفترة القادمة، إلا على حساب هيبة الدولة واعتبارات الأمن القومي المصري، وهو ما قد يكون صعباً عليها.

* نقلا عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.