الخروج من النفق ليس مستحيلاً

رغيد الصلح
رغيد الصلح
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

تقف المنطقة العربية على شفير أحداث تهدد بتبديد كل إيجابيات “الربيع العربي”، وإلى إجهاض الآمال بالتحول الديمقراطي والتنمية . ففي سوريا تتوالى مشاهد مجزرة الغوطة الكيماوية المرعبة، ومن بعدها مداولات واستعدادات بصدد تدخل عسكري قريب لم تتضح معالمه وأهدافه المباشرة بعد . وفي مصر يستمر النزال بين جماعة الإخوان المسلمين، من جهة، والقوات المسلحة المصرية والشعب، من جهة أخرى . وهنا أيضاً لا يعرف لهذا النزال من قرار .

هذه المشاهد لا تنفصل عن الأحداث الدامية التي تجول المنطقة وتنشر الموت فيها . فالبلدان العربية تنقسم اليوم إلى نموذجين من الأقطار: الدول التي تستضيف الحروب والنزاعات المسلحة، والدول التي تسعى بكل وسيلة لإغلاق الأبواب في وجه مثل هؤلاء “الضيوف” . في الحالين يتساءل أبناء المنطقة وبناتها: هل من سبيل للخلاص من هذا المصير الدامي؟ هل من وسيلة لإيقاف طوفان العنف قبل أن يدمر المنطقة تدميراً كاملاً؟ حتى نجيب عن هذا السؤال، علينا أن نبدأ بالتفتيش عن الأسباب المباشرة لهذا الطوفان وعن الطرق والوسائل لمعالجتها والتخلص منها . ويربط الكثيرون، وهم على حق في ذلك، بين الأزمات الكبرى التي تشهدها المنطقة، وبين النزعة الإقصائية المستفحلة فيها .

تطول الإقصائية عادة أفراداً معينين أو جماعات من الأقليات عادة . والجهة التي تمارس الإقصاء تشكل الأغلبية في المجتمع . أما النزعة الإقصائية في المنطقة العربية فهي في أغلب الحالات تمارس ضد الأفراد والأقليات وأكثرية أفراد المجتمع . هذا ما نشهده عملياً في كل بلد طبق فيه نظام الحزب الواحد . وطبقت الإقصائية في كل بلد صدرت فيه قوانين العزل والاجتثاث، وما إلى ذلك من القوانين التي تضع الملايين خارج الحياة السياسية .

كانت الإقصائية سبباً مهماً من أسباب الثورة على نظام حسني مبارك . ففي السنوات الأولى من حكمه، وعندما حاول إخراج المعتقلين السياسيين من السجون، وحاول أن يمد الجسور مع الجماعات السياسية المختلفة، حظي نظامه بشيء من الرضا العام . وعندما جرت الانتخابات العامة عام 2005 ونال فيها المعارضون قرابة 20% من المقاعد النيابية، تأمّل البعض أن تكون هذه النتائج مقدمة ومؤشراً على تراجع سياسة الإقصاء . ولكن عندما ترسخت النخبة السياسية والاقتصادية المحيطة بمبارك واتجهت إلى الاستئثار بالسلطة وبموارد الدولة الاقتصادية وإلى إقصاء المنافسين المحتملين وإبعادهم بالقوة عن مراكز النفوذ، اتسعت المعارضة ضده . ووصلت المعارضة إلى ذروتها بعد انتخابات عام 2010 التي نجح فيها عبر أساليب غير ديمقراطية وغير شرعية ما يفوق 90% من مرشحي الحزب الوطني .

وعندما اسقطت الثورة المصرية نظام حسني مبارك، اعتبر الكثيرون أن النزعة الإقصائية سوف تذهب بذهاب مبارك . وتغذت هذه التمنيات بعد أن اتجهت “حركة النهضة” في تونس إلى التحالف مع أحزاب وشخصيات من اليسار والوسط، فاعتقد المعنيون بالأوضاع المصرية أن “الإخوان” في مصر سوف يأخذون بتجربة “إخوة الجهاد” في تونس . كذا تعززت هذه التوقعات من تصريحات أدلى بها زعماء من الإخوان المسلمين الذي مثل أكبر حزب في حركة المعارضة، إذ وعدوا بألا يسعى الحزب إلى احتكار السلطة السياسية . . ولكن تبين في ما بعد أن هذه التصريحات تعبّر عن رأي سائد بين فريق من الإخوان المسلمين في مصر، أما الحزب كمؤسسة، فقد تبين أنه اتجه إلى الإمساك بالسلطة (اللجنة التأسيسية، الرئاسات الثلاثة، الوزارات السيادية، القضاء، الإعلام) وإلى استبعاد أو تهميش الجماعات الأخرى التي شاركت في الثورة .

لقد كان اتجاه الإخوان إلى تطبيق نظام الحزب المهيمن، والعمل المنهجي على إقصاء الآخرين عن مواقع السلطة وإدارة الحكم سبباً رئيسياً لاستعداء الأحزاب والجماعات السياسية والمهنية الأخرى وإلى اضطراب علاقتهم بالقوات المسلحة المصرية . وبرزت معالم التحول ضد النهج الذي سار عليه “الإخوان” وضد النزعة الإقصائية في تنامي حركات الاحتجاج والمظاهرات الواسعة التي قامت ضد حكومة “الإخوان” . ولقد فتحت هذه المظاهرات الشعبية الباب أمام الجيش لكي يقوم بحركة التغيير التي أنهت عهد “الإخوان” في نهاية شهر يونيو/حزيران الماضي . ومرة أخرى شعر مصريون كثيرون أن النزعة الإقصائية ذهبت مع ذهاب الحكومة السابقة . وتعززت هذه القناعات عندما أكدت القيادة العسكرية أنها لا تطمع في السلطة وأنها سوف تسلم الحكم إلى المدنيين، وكذلك عندما أصدرت خريطة الطريق لتحريك وبرمجة مسار الانتقال إلى الديمقراطية .

ولعل الأخذ بالمقترحات التي قدمها د . زياد بهاء الدين، نائب رئيس الحكومة المصرية، والهادفة إلى إنهاء الأزمة المصرية ما يخفف من الاحتقان الذي طغى على الأحداث في مصر مؤخراً، ويسهم في تعبيد الطريق أمام الانتقال إلى النظام الديمقراطي . وهناك الكثير من التجارب التي تؤكد أن إيقاف التدهور في الحياة العامة أمر في متناول اليد، وأن الأخذ بالمقترحات التي ترمي إلى الحد من التدهور في الحياة العامة ليس ضرباً من ضروب الخيال . ومن التجارب الناجحة والقريبة في هذا المضمار هي تجربة تايلاند التي شهدت صراعاً سياسياً كبيراً بين رئيس الحكومة الأسبق ثاكسين وزعيم حزب الأغلبية، من جهة، وبين الجيش التايلاندي، من جهة أخرى، فاستمر عدة سنوات ووضع البلاد على شفير الحرب الأهلية، وأدى إلى انهيار الاقتصاد والانسداد السياسي .

لقد وفق التايلانديون عندما ترك ثاكسين البلاد إلى المنفى الاختياري، فتولت شقيقته قيادة حركة المعارضة في البلاد وأسست حزباً بزعامتها لكي تعبر عن التايلانديين المؤيدين للخيار الديمقراطي في بلادهم . وآثرت ثاكسين اتباع سياسة الوفاق والاعتدال بدلاً من سياسة الإقصاء والتحدي التي طبعت عهد شقيقها، وتمكنت من التفاهم مع الأحزاب التايلاندية الأخرى على تشكيل حكومة ائتلافية، ومن التفاهم مع الجيش حول بعض الامتيازات مقابل احترام المبادئ الديمقراطية . وخلال فترة قصيرة نسبياً عاد الاقتصاد التايلاندي إلى سابق عهد الازدهار، ونهضت تايلاند مرة أخرى كنمر متوثب من نمور آسيا البازغة .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.