.
.
.
.

الألمان يفوضون من جديد "مامي أنغي"

جميل مطر

نشر في: آخر تحديث:

لم تمر ساعات قليلة على إعلان النتائج الأولية للانتخابات الألمانية إلا وكانت صور أنغيلا ميركل تتصدر الصفحات، وقد أسبغ عليها الصحفيون ألقاباً وأوصافاً مثل “موتي” المرادفة لكلمة “مامي” بالعامية، ومادونا الألمانية، الأول يعبر عن نقلة جديدة انتقلتها ميركل في أعين الشعب الألماني لتحتل مكانة لا تقل أهمية عن المكانة التي كانت يحتلها المستشار كونراد أدينادر، الذي حظي بلقب “بابا ألمانيا” بصفته الرجل الذي أعاد صياغة ألمانيا شعباً وعقيدة ونظاما . ها هي المستشارة أنغيلا ميركل تلقب تدليلاً ب”مامي ألمانيا” بصفتها المرأة التي قادت السفينة الألمانية متجاوزة أسوأ أزمة اقتصادية مر بها العالم منذ عام 1931 . أما لقب مادونا الألمانية، فجاء مبالغة في التعبير عن تقدير الشعب الألماني بمنح ميركل صفة قداسة، وهو في حد ذاته تطور له مغزى . إذ إنه حتى وإن بقى في حيز الاهتمام الإعلامي وحماسة الرأي العام فقد رآه البعض نكسة لجهود خارقة بذلها الألمان خلال السبعين عاماًالماضية ليتخلصوا من عقدة تأليه أو تفخيم القادة السياسيين، حتى يأتي يوم يعود فيه كثيرون لترديد صفة تحمل معنى التقديس للمستشارة .

وشهدت الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية اجتهادات إعلامية وحزبية لعقد مقارنات بين ميركل التي كانت تستعد لدورة ثالثة في الحكم ومرغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا في الثمانينات وبعض التسعينات، وهي التي امتد حكمها فترة ثالثة . وقد اشتد ساعد المجتهدين في المقارنة فور إعلان النتائج صباح الاثنين، أي بعد أن صار مؤكداً تفوق ميركل من حيث إنها، ورغم مظاهر قوتها المتعددة وربما بفضل كفاءتها المتناهية، لم تقع في أخطاء وقعت فيها تاتشر وتسببت في استقطابات وتوترات سياسية داخلية وخارجية عدة . كانت تاتشر من الزعماء الذين يحظون بالإعجاب الشديد والكراهية المقيتة في آن، ولا شك في أنها استخدمت هذه الخاصية إلى حدود قصوى لتتحكم أكثر وتغير ما شاء لها أن تغير في هياكل الاقتصاد والمجتمع في بريطانيا . وبالفعل تركت تاتشر بريطانيا وقد اختلفت عن بريطانيا التي تسلمتها قبل ثماني سنوات . وأظن أنها أثرت كثيراً في مسار العلاقة بين الغرب والمجتمعات الإسلامية، ولا أستبعد أن يحمّلها المؤرخون في زمن غير بعيد المسؤولية عن سقوط آلاف الضحايا في كلا الجانبين نتيجة لتشدد عدائها للمسلمين .

قارنوا أيضاً بين أنغيلا ميركل وهلموت كول . اختاروا كول لأنه المستشار الذي درّب أنغيلا سياسياً، وكان يناديها بالفتاة، وراح علماء النفس يبحثون في جذور العلاقة بين كول وميركل، هذه الجذور التي ربما دفعت المستشار الأسبق للاهتمام بالفتاة القادمة للتو من ألمانيا الشرقية ومنحها الفرصة لتتعلم منه السياسة والقيادة . وهي أيضاً الجذور التي ربما دفعت الفتاة أنغيلا إلى “اغتياله” سياسياً، بمعنى آخر “قتلت الابنة أباها” سياسياً بعد انتهاء دوره ورحيله عن الدنيا . ولم يتأخر أطباء نفسيون، وجدوا في علم النفس السياسي مصدراً جديداً للرزق لتفسير أسباب نجاحها وشخصيتها وغموضها، عن العودة بأنغيلا إلى نشأتها في مجتمع شيوعي مغلق تعلمت فيه إخفاء أفكارها وآرائها الحقيقية والإعلان فقط عما تراه مناسباً ولا يأتي عليها بالضرر .

ليلة الاثنين، قضتها أوروبا في الانتظار . كانت عودة ميركل لولاية ثالثة تعني الكثير . بل الكثير جداً لشعوب دول أوروبية أنهكتها الأزمة الاقتصادية والمالية . أتصور أن عواصم مثل أثينا ومدريد ولشبونة وروما ودبلن قضت الساعات الطوال تنتظر نتائج الانتخابات الألمانية . إذ لا يخفى أن تجربة السنوات الأخيرة كانت ثقيلة، ليس على العلاقات بين الشعوب الأوروبية والشعب الألماني فقط، ولكن أيضاً على كثير من حكام القارة وأغلبهم لم يقض في منصبه سوى فترة قصيرة لا تقارن بالفترة الطويلة التي قضتها ميركل في الحكم .

عاشت ألمانيا في عهد ميركل آمنة ومستقرة وهادئة ومن دون تقلبات اجتماعية أو اقتصادية، وحققت نسبة مثالية من العمالة، واحتل اقتصادها مكانة رابع اقتصاد في العالم، بينما كانت معظم اقتصادات أوروبا، وبخاصة اقتصادات دول الجنوب، غير مستقرة ومضطربة وشديدة التقلب اجتماعياً وبنسب بطالة غير مسبوقة . لا أحد من حكام أوروبا يستطيع أن ينكر فضل ألمانيا على إنقاذ اقتصادات عدة باستخدام عصا التقشف وجزرة الدعم النقدي، ولا أحد في ألمانيا أو خارجها يستطيع أن ينكر فضل أنغيلا ميركل شخصياً على انتهاج هذه السياسة وتنفيذها، ومع ذلك ظل اقتصاديون كبار في أوروبا وخارجها على موقفهم المناهض لسياسات التقشف وهؤلاء يحمّلونها مسؤولية التأخير في حل الأزمة العالمية .

وليس خافياً على دوائر الاتحاد الأوروبي في بروكسل وغيرها من العواصم، أن ميركل خلال ولايتها الثالثة التي بدأت هذا الأسبوع سوف تصرّ على انتهاج أسلوب التفاوض ثنائياً مع الدول الأوروبية المحتاجة للدعم . وليس خافياً أنها سترفض قطعياً أن تجري هذه المفاوضات في إطار جماعي، أي في إطار بروكسل . هذا التوجه لاشك يسعد اللورد كارادون، رئيس وزراء بريطانيا، الذي ينوي الانسحاب من الاتحاد الأوروبي إذا لم تسترد بريطانيا الكثير من حقوق السيادة التي سلمتها طواعية لبروكسل عندما وافقت على الانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة . لاشك أيضاً أن واشنطن لن تكون سعيدة بهذا التوجه من جانب برلين وهذا الانسحاب من جانب بريطانيا، لأنها تمنت، ومازالت تتمنى، على ألمانيا أن تقوم بدور طال انتظاره لتحل محل بريطانيا الحليف المنهك، ومحل فرنسا الحليف غير المضمون أو “غير المؤتمن” .

كانت ميركل جريئة وواضحة خلال الحملة الانتخابية عندما أكدت أن ألمانيا لن تغير في صلب السياسة الخارجية الألمانية . لن تتدخل عسكرياً في الخارج لأن الشعب يرفض بشدة أي نشاط عسكري تمارسه ألمانيا خارج حدودها، ولكنها قد تتوسع في تصدير السلاح، وبخاصة في الشرق الأوسط، إذا طلب منها ذلك . كذلك لن تشترك في سياسات هوجاء تعيد التوتر بين روسيا والغرب في شرق أوروبا أو في الشرق الأوسط .

ولوحظ خلال الحملة الانتخابية أن معظم الأحزاب، ومنها الديمقراطية المسيحية الذي تتزعمه ميركل، تجاهلت القضايا الأخطر التي تمثل تهديداً كبيراً لمستقبل ألمانيا . تجاهلت الأزمة الديموغرافية التي توشك أن تمسك بخناق المجتمع الألماني، حيث أصبح الشباب أقلية في مجتمع لا ينجب ولا يجدد نفسه . تجاهلت أيضاً التصعيد المتتالي للأعمال العنصرية ضد الأجانب، وهو التصعيد المتزامن مع زيادة في شعبية “حزب البدائل”، وهو الحزب الذي حصل على عدد غير متوقع من الأصوات، مركزاً على الدعوة لإخراج دول جنوب أوروبا من الاتحاد الأوروبي، والتركيز على خدمة مصالح ألمانيا، مجدداً وبقوة فكرة “ألمانيا أولاً” .

مفيد لنا في مصر أن نراقب انتخابات ديمقراطية في دولة عريقة وإن كانت حديثة العهد نسبياً بالديمقراطية . سمعت من يصفها بأنها كانت حملة انتخابية مملة إذا قورنت بحملات انتخابية أمريكية أو فرنسية . ينسون أن هذه هي طباع شعب لا يبحث عن الإثارة، ويرفض بإصرار أن يحيد بعيداً عن السياق الذي وضعه فيه الحلفاء منذ أن قرروا منهاجاً لحياة الألمان ووضعوا لهم مدونة سلوك سياسي ونظاماً انتخابياً ليحترموه ويلتزموه .

تعمد الحلفاء وضع القواعد الدستورية التي تضمن بعثرة مراكز السلطة السياسية في ألمانيا، وقللوا من أهمية برلين كعاصمة لألمانيا حتى عندما كانت ألمانيا تقتصر على القطاع الغربي من ألمانيا التقليدية . وقد فعلوا شيئاً قريباً من هذا في اليابان عندما انقضوا بالتدمير على مكانة الإمبراطور في الثقافة السياسية اليابانية وعلى كل القيم والرموز القديمة النابعة من وجوده . وفي ألمانيا وضعوا نظاماً انتخابياً يضمن إلى حد كبير أن تكون حكومات البلاد ائتلافية حتى لا ينفرد حزب واحد بالسلطة فيستخدمها ليدعم من خلالها قوته وسطوته، وأقاموا نظاماً حزبياً يضمن، أيضاً إلى حد كبير، وجود درجة مناسبة من التوافق بين الأغلبية العظمى من الأحزاب، بحيث تبقى الاختلافات بينها شكلية بعيدة عن الإيديولوجية .

وفي النهاية، أدخل الحلفاء ألمانيا في “أوروبا الموحدة” ليسكنا إلى بعضهما بعضاً وتهدأ مشاعر الغضب والانتقام، إن وجدت أو نشأت . وها هي أوروبا بالفعل هادئة لا تريد لألمانيا الضرر، وها هي ألمانيا المتوافقة سياسياً وحزبياً أشد حرصاً على أن يستمر هذا الهدوء، وها هي ألمانيا المتصالحة مع نفسها وماضيها تجدد الثقة بقيادة حكيمة، قيادة “مامي أنغي” .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.