ما الذي يحدث في العراق الجديد؟
تساؤل من هذا النمط يبدو بسيطاً وبديهياً أن يقال إنها حالة من واحدة:
- صراع على السلطة.
- صراع على الأموال.
- صراع طائفي عرقي.
- حرب إبادة إثنية القوي يأكل فيه الضعيف.
- صراع على تقاسم النفوذ.
- لي أذرع بين فرقاء العملية السياسية التي أوجدها الاحتلال.
- صراع بين النظام الجديد والنظام القديم.
- ثأر عشائري قبلي واقتصاص.
- استحضار لماض مضت عليه مئات السنين وتجسيد مشهد القتل وإسقاط رمزي لإعادة الصورة الملحمية.
- حرب إقليمية بين قوى تتصارع على النفوذ في هذا المكان الجيو- استراتيجي الحيوي من العالم.
- حرب بين القوى الكبرى على مصادر الطاقة.
- حرب على المياه ومنابعها ومصباتها الذي ظل العراق البلد الأوفر حظا في وفرة المياه العذبة.
- فرض وقائع جديدة على الأرض للنفوذ والسيطرة الحاضرة والمستقبلية.
- الإغراء بأداء دور يُرضي طرفاً على حساب آخر.
- التلويح بأداء دور تمارسه بعض القوى لتُثبت جدارتها بالتصدي للمشاريع بالرفض أو القبول.
- فرض حالة القبول لأداء دور مقابل ثمن.
- فرض حالة الاستسلام لواقع الانقلاب الذي حدث عام 2003 برعاية دولية ومناصرة إقليمية.
- محاولة اقتسام البلد بين القوى اللصيقة للعراق في حالة ضعف العراق وتناحره.
- محاولة التنصل على مشروع ترسيخ الثالوث الذي اتفقت عليه القوى المعارضة للنظام السابق في مؤتمر فيينا عام 1991 الذي رسخ مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية.
- الإيغال في تدمير مرتكزات النهضة العراقية وتحطيم بنيتها العلمية باتباع سياسة الإقصاء والإبقاء في آن.
- إخراج العراق عن أي معادلة صراع تخوضها أمته مع أعدائها.
هذه المتغيرات وسواها الكثير تفرض على الباحث والمتتبع أن يكون أكثر حذرا في ترجيح عامل على آخر لتشخيص "الحالة العراقية" الراهنة، وتفرض أيضا الدراية الكافية بمكونات وتاريخ هذا البلد الذي بتنا جميعاً نقلق عليه أن يتحول الى يوغسلافيا أخرى في هذا العصر لتزيد من مأساة شعب حلم وسعى ذات يوم الى الوحدة العربية وناضل مئات الآلاف من أبنائه وأنفق أمواله في سبيلها لكنه اليوم يقف أمام شبح التقسيم والتشرذم والاقتتال بين مكوناته التي كان يفخر إنها "موزائيك" منوع من المكونات المجتمعية. بمحرض يمتد لكل تلك الاستحضارات السابقة والاذكاء المقترن والتابع لها.
وإلا كيف تفسر حالة اللا استقرار المستمر منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة قبل 93 سنة، وصراعها الأبدي مع نفسها ومع غيرها ومع المجتمع الدولي؟ بل يوغل ذلك الصراع إلى عصور سحيقة يوم تصارعت كل أقوام وقبائل الجزيرة العربية وبلاد الشام واقتتلت دولها ورموزها في العراق وحده وروت دماء طاهرة أرض العراق قرون سحيقة، لا تتمكن كل مياه دجلة والفرات أن تغسلها من الأرض العراقية التي يتلطف البعض باستعارة تعبير أطلقه المستشرقون بـ "أرض ما بين النهرين" متجاهلين الشعب الذي بنى أساطير تلك "الأرض" وروى بدمائه أديمها؟
التاريخ لا يعيد نفسه وهو منقسم بين مفسر على أساس كونه وجهة نظر أم حقائق.
لكن الحقيقة اليوم أكبر من أن تتحول إلى وجهة نظر باردة لمجتمع يقتل كل دقيقة وتهدر ثروته كل يوم ويغادر التاريخ الحديث دون أن يكون مساهماً في صناعته، لتأتي قوى غير معلومة الهوية والمرامي والتمويل وتقتل فيه وتعبث بتاريخه وتحطم متاحفه وتبدد ثروته وتحيل العراق المشرق الأسطوري أيقونة العالم القديم الى مجرد صور لأشلاء متناثرة تحتل واجهات الأخبار الأكثر بؤساً كل يوم دون اتعاض أو جدوى.
إن الفائت من أحداث برغم مأساويتها حيناً وغموضها ومراميها أحياناً يبدو أنها مدخل لحروب قادمة بدأت دون أن تتوقف أو تجد أصواتاً عاقلة تبحث عن حلول مجدية تغلب هوية المواطنة على مرجعية الطائفة والإثنيات والاثرة بالسلطة والاستحواذ على المال وحرمان الآخر وكسر ظهور الخصوم دون مراعاة كونهم أبناء وطن واحد.
والأهم هو أن البلاد تحتاج الى دور فاعل لمثقفيه ومفكريه الذين لم يغادروا سلبيتهم في مجرد كونهم متلقي أوامر الى مشاركين بفاعلية بتوجيه دفة المركب العراقي الى بر الأمان قبل أن يغرق كما أغرقوه قبيل 2003.
لا يوجد من يعطي ضمانة أن لا تسوء الأمور أكثر بخطوة أخرى تكسر ظهر العراق في حال الركون الى العصبيات المذهبية والقبلية والاثرة في الحكم وتغليب الولاءات على الكفاءات وتجاهل المواطنة التي هي الضمانة في ترسيخ قيم المجتمع وتوزيع الأدوار فيه، مهمة السلطة الحالية أو المقبلة أن تكون قادرة أن تكون موزعة كفؤة للأدوار لا خالطة لها ولا قيمة لأية انتخابات لا تحقن دم الناس وتصون حياتهم وتفتح نوافذ أمل جديدة تعد بحياة أفضل.