.
.
.
.

"الحزام والطريق" بين الصين وأوروبا.. بوادر عالم متعدد الأقطاب

نشر في: آخر تحديث:

يسود توجه في أنحاء القارتين الأوروبية الآسيوية للتحول إلى تعددية قطبية، تنعكس على التعاون الصناعي والدبلوماسي بين الصين والقارة الأوروبية على الرغم من المعارضة القوية من جانب الولايات المتحدة.

نهاية القطب الأوحد

وفقاً للمقال الذي نشره الكاتب الإيطالي فديريكو بيراتشيني في الموقع الإلكتروني لمؤسسة "Strategic Culture"، الذي يوفر منصة للتحليل والبحث والتعليق على السياسة المتعلقة بالشؤون الأوروبية والآسيوية والعالمية، أكدت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لأوروبا ما كتبه الكثير من المحللين السياسيين خلال الأشهر والسنوات القليلة الماضية، عن حقيقة التحول العالمي المستمر من عالم أحادي القطب، تهيمن عليه الولايات المتحدة، إلى عالم متعدد الأقطاب يتشكل من قوى مختلفة.

ولذلك، تجد أوروبا نفسها في موقف جيد نظراً للتوازن الذي تحظى به بين الروابط التقليدية مع "العالم القديم"، أي الولايات المتحدة من جانب، والروابط الأوروبية-الآسيوية الوليدة، التي تدعو لها روسيا والصين، من جانب آخر.

وتطبق دول مثل ألمانيا وفرنسا، وحتى المملكة المتحدة، سياسات تجارية تشجّع على التكامل بين دول آسيا وأوروبا. وفي عام 2015، كانت المملكة المتحدة من أوائل الدول الغربية التي انضمت إلى بنك الاستثمار الآسيوي الصيني، الذي يمول مشروعات مبادرة "الحزام والطريق".

وبدأ مشروع "الحزام والطريق" الصيني الضخم في عام 2014 بهدف طموح هو دمج التجارة بين الصين وأوروبا عن طريق البحر والبر. وتقلل هذه المبادرة مدة تسليم البضائع بالسكك الحديدية. ولا يغطي المشروع الموانئ وخطوط السكك الحديدية فحسب، بل يشمل أيضاً بناء البنية التحتية التكنولوجية لتحقيق الترابط العالمي باستخدام تقنية 5G التي طورتها شركة "هواوي" الصينية العملاقة للتكنولوجيا.

وعمّقت ألمانيا وفرنسا على مر السنين شراكتهما مع بكين. وتفخر باريس على وجه الخصوص بعلاقات تاريخية مع الصين تنبع من التعاون النووي بين مجموعة الطاقة النووية العامة الصينية ومؤسسة "إلكتريسيتيه دي فرانس" الفرنسية والذي يعود إلى عام 1978، فضلاً عن العلاقات الفضائية الجوية بين "إيرباص" وشركات الطيران الصينية والمستمرة منذ عام 1985.

إيطاليا تدخل "الحزام والطريق"

من جانبها، دخلت إيطاليا في الأشهر الأخيرة مبادرة "الحزام والطريق"، بعد تولي حزب "رابطة الشمال" وحركة "خمسة نجوم" الحكم. ويظهر توقيع مذكرة تفاهم بين بكين وروما كيف تريد الحكومة الجديدة الحفاظ على موقف متوازن بين واشنطن وبكين في بعض القطاعات.

ويأمل الإيطاليون أن توفر لهم مبادرة "الحزام والطريق" حافزاً ضرورياً لصناعاتهم، والتي كانت في حالة ركود في السنوات الأخيرة. وفي نفس الوقت، يعد رأس المال الصيني في إعطاء دفعة لتصدير البضائع المنتجة في إيطاليا. وهنا تكمن القوة الدافعة وراء الاتفاق المقترح بين بكين وروما.

ويتطابق هذا التوجه مع نهج حكومة أنجيلا ميركل في ألمانيا، التي اختارت مواصلة تعميق علاقاتها مع موسكو فيما يتعلق بخط أنابيب "السيل الشمالي 2" لنقل الغاز الطبيعي من مدينة فيبورغ في روسيا إلى مدينة غرايفسفالد في ألمانيا، على الرغم من ضغوط واشنطن لوقف المشروع. وعلاوة على ذلك، أكدت كل من ألمانيا وإيطاليا رغبتهما في الاعتماد على شركة "هواوي" لتنفيذ وإدارة شبكة الـ5G، وهو أمر أساسي لعالم يهيمن عليه الإنترنت.

إن قرارات ألمانيا وفرنسا وإيطاليا بمواصلة تعاونها مع موسكو وبكين في مختلف المجالات تتناقض بشدة مع السرد الذي تروج له وسائل الإعلام الأميركية التي تحاول تثبيط همم السياسيين الأوروبيين في التعاون مع روسيا والصين.

الهيمنة الأميركية

وعلاوة على الرغبة الواضحة والطبيعية لرأس المال، الشركة الأوروبية الآسيوية تدفعها أيضاً فكرة ضمان إمدادات الطاقة. ولهذا تصر ألمانيا على بناء خط أنابيب "السيل الشمالي 2" مع روسيا، على الرغم من المعارضة القوية من جانب الولايات المتحدة، حيث فضلت برلين مصلحتها الوطنية في تنويع مصادر الطاقة، وتجنب الخضوع لضغوط واشنطن، التي أرادت أن تعتمد ألمانيا على الغاز الطبيعي المسال الذي توفره الولايات المتحدة بأسعار باهظة بالمقارنة بأسعار الغاز الروسي.

ورغم ذلك يوجد اختلافات صارخة بين السياسيين الأوروبيين، خاصة إذا نظرنا إلى العلاقات بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني، أو العلاقات بين رئيس وزراء بريطانيا تيريزا ماي وزملائها الأوروبيين. وحتى بين ميركل وماكرون، يبدو أن هناك احتكاكات ملحوظة حول موضع مصادر الطاقة. وعلى الرغم من هذه الاختلافات الواضحة، فإن الفكرة السائدة في النهاية هي الرغبة في الهروب من هيمنة واشنطن لصالح مشاركة أكبر في مفهوم عالم متعدد الأقطاب.

ولا تنوي أي عاصمة أوروبية، سواء كانت باريس أو روما أو برلين أو لندن، كسر اتفاقيات حلف الناتو مع واشنطن. وتم تأكيد ذلك في كل مناسبة رسمية ممكنة. لكن بكين أصبحت ذات أهمية متزايدة بالنسبة للملفات المتعلقة بالتكنولوجيا أو بتوفير رأس المال السائل للاستثمارات أو بتوسيع الأعمال التجارية.

عقبة دول البلطيق وبولندا

وتبقى العقبة الأخيرة أمام التقارب الآسيوي الأوروبي دول البلطيق وبولندا، حيث لا تزال هذه البلدان مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسياسات المؤيدة للناتو، بالإضافة لبعض السياسيين الذين يرون في بكين، ومن قبلها موسكو، ذريعة ممتازة لدعوة واشنطن إلى تدخل متعاظم في الشؤون السيادية لأوروبا. ويبدو أن دول البلطيق وبولندا تقدم أفضل الطرق لصانعي القرار السياسي في الولايات المتحدة لمحاولة التأثير على النقاش الدائر في القارة العجوز فيما يتعلق بالعلاقات مع الشرق. كما تُستخدم الأزمات التي نشأت في أوكرانيا وسوريا وفنزويلا، كوسائل لتقسيم الزعماء الأوروبيين إلى معسكرات متعارضة، مما قد يفسد التعاون الأوروبي مع الشرق.

ويعتبر الاستراتيجيون الأميركيون أن أكبر خطر يكمن في إمكانية قيام موسكو وبكين بالتعاون وتنسيق جهودهما. ومثلث برلين - موسكو - بكين، مع إضافة روما وباريس، قد يمثل لواشنطن سيناريو لم يسبق له مثيل من حيث تحديه للهيمنة الأميركية في أوروبا.