استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
لم يكن دونالد ترامب رئيسًا أميركيًا تقليديًا، سواء خلال ولايته الأولى التي بدأت عام 2017 أو بعد عودته إلى البيت الأبيض.
فمنذ دخوله عالم السياسة، أعاد فتح نقاشات اعتقد كثيرون أنها حسمت منذ عقود: ما دور الولايات المتحدة في العالم؟ وما حدود سلطة الرئيس؟ ومن يملك القدرة على تحقيق "الحلم الأميركي"؟
واليوم، بينما تستعد الولايات المتحدة للاحتفال بمرور 250 عامًا على إعلان استقلالها في الرابع من يوليو 1776، يبدو أن الاحتفال لا يدور فقط حول استذكار الماضي، بل حول معركة أعمق تتعلق بهوية أميركا ومستقبلها.
أميركا أولًا
فقد أعاد ترامب، خلال ولايته الثانية، إحياء شعار "أميركا أولًا" بصورة أكثر وضوحًا واتساعًا، حيث ركزت استراتيجيته على إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأميركية، عبر تعزيز المصالح الاقتصادية والأمنية المباشرة لواشنطن، وإعادة النظر في طبيعة التحالفات التقليدية، وتوسيع النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي.
كما أعادت استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب التأكيد على استخدام القوة الاقتصادية والتجارية والعسكرية كأدوات رئيسية لتعزيز النفوذ الأميركي عالميًا. وفقًا لتحليلات مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي(CFR).
وأوضح المؤرخ والخبير في السياسة الخارجية هال براندز لمجلة "تايم" إن "السمة الأكثر ثباتًا في سياسة ترامب الخارجية هي اعتقاده بأن الولايات المتحدة لم تستخدم قوتها العالمية بالقدر الكافي".
الحلفاء أولًا.. ولكن بشروط
وكان أحد أكثر التحولات إثارة للجدل هو تعامل ترامب مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، حيث دفعت إدارته باتجاه إعادة النظر في طبيعة العلاقات مع أوروبا، وطالبت حلفاء حلف شمال الأطلسي بتحمل أعباء مالية وأمنية أكبر، بينما استخدمت الرسوم الجمركية والضغوط التجارية حتى مع شركاء تاريخيين مثل الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان وفق خبراء مجلس العلاقات الخارجية.
الصين.. المنافس الأكبر
أما الصين، فقد أصبحت محورًا رئيسيًا في مشروع ترامب لإعادة تشكيل النظام الدولي. فالحرب التجارية التي بدأها ترامب خلال ولايته الأولى لم تتوقف، بل توسعت خلال ولايته الثانية لتشمل الرسوم الجمركية، وقيود التكنولوجيا المتقدمة، والمنافسة على الذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد العالمية.
فيما أشارت تحليلات مؤسسة بروكينغز إلى أن استراتيجية ترامب تجاه بكين تستند إلى أربعة أهداف رئيسية: إعادة التصنيع الأميركي، وتقليل الاعتماد على الصين، والحفاظ على التفوق التكنولوجي الأميركي، واستعادة النفوذ العالمي للولايات المتحدة.
ورأت الباحثة باتريشيا كيم، من مركز جون ثورنتون للدراسات الصينية في بروكينغز، أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنافس الصين، بل كيف ستدير هذه المنافسة دون أن تتحول إلى قطيعة اقتصادية كاملة.
روسيا.. بين الضغط والتسوية
أما في الملف الروسي، فسعت إدارة ترامب إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا عبر دفع موسكو وكييف نحو تسوية سياسية.
لكن هذه الاستراتيجية أثارت جدلًا واسعًا بين حلفاء واشنطن الأوروبيين، حيث ركزت إدارة ترامب على الوصول إلى اتفاق لإنهاء الحرب، بينما حذر منتقدون من أن أي تسوية لا تضمن ردع روسيا قد تؤدي إلى إعادة رسم التوازنات الأمنية في أوروبا.
في الوقت نفسه، واصل ترامب التأكيد على ضرورة إنهاء الحرب وتقليص كلفتها على الولايات المتحدة. وفقًا لتحليلات مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)
الشرق الأوسط.. عودة القوة الصلبة
وربما كان الشرق الأوسط هو الساحة التي ظهر فيها التحول الأكبر في سياسة ترامب الخارجية، حيث لعبت إدارة ترامب دورًا مباشرًا في ملفات غزة وإيران والبحر الأحمر، مع اعتماد أكبر على القوة العسكرية والردع، إلى جانب استمرار دعم التحالفات الإقليمية التقليدية للولايات المتحدة.
كما أن الولاية الثانية شهدت توسعًا في استخدام القوة العسكرية الأمريكية مقارنة بما كان يتوقعه كثيرون خلال حملته الانتخابية. وأصبحت سياسة ترامب في الشرق الأوسط تقوم على مبدأ بسيط: تقليل الانخراط العسكري طويل الأمد، مع الاستعداد لاستخدام القوة بشكل سريع وحاسم عند الضرورة، وفقًا لتحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).
جدل دستوري
هذا ولم يقتصر الجدل حول ترامب على السياسة الخارجية، بل امتد إلى طبيعة النظام السياسي الأميركي نفسه. فقد أثارت المواجهات المتكررة بين البيت الأبيض والمؤسسات القضائية خلال ولايته الثانية نقاشًا واسعًا بين خبراء القانون الدستوري بشأن حدود السلطة التنفيذية. وحذر عدد من الأكاديميين المشاركين في نقاشات استضافتها كلية كينيدي بجامعة هارفرد من أن الولايات المتحدة تواجه اختبارات غير مسبوقة للأعراف الدستورية وسيادة القانون.
كما أظهرت استطلاعات أجرتها مؤسسة Bright Line Watch، التي تضم مئات الباحثين المتخصصين في الديمقراطية الأميركية، أن نسبة كبيرة من الخبراء ترى أن النظام السياسي الأميركي يواجه ضغوطًا متزايدة في ظل حالة الاستقطاب الحالية.
في المقابل، أكد أنصار ترامب أن الرئيس يمارس صلاحياته الدستورية بصورة مشروعة، وأن النظام القضائي الأميركي لا يزال قادرًا على فرض التوازن بين السلطات.
أرض المهاجرين
ولأكثر من قرنين، ارتبط الحلم الأميركي بفكرة أن الولايات المتحدة هي "أرض الفرص"، وأن المهاجرين القادمين من مختلف أنحاء العالم قادرون على بناء حياة جديدة وتحقيق النجاح.
كما أظهرت الدراسات أن الأميركيين المولودين خارج الولايات المتحدة هم الأكثر إيمانًا حتى اليوم بفكرة الحراك الاجتماعي، حيث رأى 72% منهم أن الحلم الأميركي يتمثل في تحسين مستوى الحياة من خلال التعليم والعمل والفرص الاقتصادية. وفق آخر بيانات Gallup
لكن صعود ترامب أعاد طرح سؤال مختلف: من يحق له أن يحلم بأميركا؟
فمنذ حملته الرئاسية الأولى، جعل ترامب من تشديد سياسات الهجرة وأمن الحدود أحد الأعمدة الرئيسية لمشروعه السياسي، معتبرًا أن حماية الحدود والوظائف الأميركية جزء أساسي من الحفاظ على الحلم الأميركي.
في حين رأى منتقدو هذه السياسات أن تشديد إجراءات الهجرة واللجوء يتعارض مع الصورة التقليدية للولايات المتحدة باعتبارها دولة قامت أساسًا على موجات متعاقبة من المهاجرين.
عيد مختلف
ويبدو أن هذا الجدل انعكس بصورة واضحة على احتفالات الذكرى الـ250 نفسها، فإلى جانب الاحتفالات الرسمية التي تنظمها لجنة "America250"، أطلقت إدارة ترامب مبادرة "Freedom 250"، التي تضم سلسلة من الاحتفالات والفعاليات والمشروعات الثقافية والتعليمية، بهدف "إعادة إحياء الوطنية الأميركية"، بحسب البيت الأبيض. وشملت المبادرة مشروع "Task Force 250"، والاحتفال بـ"الحديقة الوطنية للأبطال الأميركيين"، إضافة إلى فعاليات جماهيرية واسعة في مختلف أنحاء البلاد.
لكن المبادرة أثارت انتقادات من مؤرخين وسياسيين ومنظمات مدنية، اعتبروا أن الاحتفال يتحول تدريجيًا إلى ساحة صراع سياسي وثقافي حول الرواية التاريخية للولايات المتحدة.
معركة الهوية
وبعد مرور 250 عامًا على تأسيس الولايات المتحدة، لا يبدو أن الخلاف بين الأميركيين يدور فقط حول الاقتصاد أو الانتخابات أو السياسة الخارجية.
فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما هي أميركا التي يحتفل بها مواطنوها؟ هل هي تلك البلاد التي قامت على فكرة الفرص المفتوحة والهجرة والحراك الاجتماعي؟ أم أميركا التي ترى أن الحفاظ على الهوية الوطنية والسيادة الاقتصادية يجب أن يأتي أولًا؟
وبين هاتين الرؤيتين، يبدو أن الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة تحولت إلى أكثر من مجرد احتفال تاريخي، إنها معركة حول معنى أميركا نفسها، ومن يملك حق تعريف الحلم الأميركي في القرن الحادي والعشرين.
-
بعد تحقيق 2.2 مليار دولار في عام.. ترامب يكشف كيف تُدار ثروته
قال: "لا أعرف تفاصيل استثماراتي الحالية"
قصص اقتصادية -
نجل بايدن يرشح ترامب رسميا لنيل نوبل للسلام.. ويعلق ساخرا
رداً على تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب التأكيد على انهائه الحرب مع إيران، عمد ...
أميركا -
ترامب: مواصلة الدعم الأميركي للناتو أصبحت أمرا سخيفا
جدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقاداته إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ناشرا ...
أميركا