.
.
.
.

من أروقة البنتاغون.. كواليس إعلان بايدن عن أفغانستان

نشر في: آخر تحديث:

عندما كان الرئيس الأميركي جو بايدن يستعد للإعلان عن قرار سحب قواته من أفغانستان، كانت أصوات شخصيات عسكرية سابقة ترتفع اعتراضاً على القرار المنتظر.

فقد كان دايفيد بترايوس، القائد السابق للقوات الأميركية والأطلسية في أفغانستان أحد هؤلاء المعترضين، فالضابط بأربعة نجوم أعرب عن غضبه لأن المهمة لم تصل إلى ختامها بعد، بنصر أميركي واضح ضد طالبان.

ولعل ألوان هذه الخريطة بمناطقها الأحمر التي تعبر عن سيطرة طالبان الميدانية على ثلثي أراضي البلاد فيما تسيطر الحكومة الأفغانية وقوات التحالف على ثلث الأراضي أفضل معبّر عن الفشل الأميركي والأطلسي هناك

في أروقة البنتاغون

أما الغريب في أروقة مبنى البنتاغون، وفي صفوف العاملين خلال ساعات الصباح فكان مفاجأتهم بالقرار الرئاسي، الذي بقي سرّاً إلى أن سرّبه البيت الأبيض قبل يومين إلى الصحافيين، فعرف العاملون في وزارة الدفاع عنه من أجهزة التلفزيون ومن الصحافيين الذين هرولوا إلى مكاتبهم للسؤال عن حقيقة الأمر.

وعندما أنهى بايدن إعلانه الرسمي الانسحاب سألت العربية والحدث أحد الضباط ممن خدموا في أفغانستان عن مشاعره، فاكتفى بالقول "لا أشعر بشيء! اسألني في يوم آخر"

" لا يمكن أن تفعل للأفغان أكثر مما يريدون"

ثم تحدث أحد الموظفين ممن عملوا في أفغانستان بداية العقد الماضي، قائلاً "إنه وباقي الأميركيين كانوا يعملون بحماسة عالية لتنفيذ مهمتهم ومن ضمنها مكافحة طالبان ومنع عودة القاعدة وبناء دولة جديدة "لكنك لا تستطيع أن تفعل للأفغان أكثر مما يريدون".

وقد كان هذا الرجل يعبّر عن التزام الأميركيين بذلك العمل ليس تطبيقاً لأمر أو القيام بعمل وظيفي، بل لاندفاعهم وحماستهم للقيام بما يرونه صائباً، خصوصاً بناء دولة حديثة ديموقراطية.

"أرجو ألا تخرب"

ثم نظر مرة أخرى إلى الشاشة، وقال "أرجو ألا تخرب الأمور! هذا خوفي! كان يجب أن نغادر منذ سنوات لكن المهمة لم تنجز ودامت لوقت طويل".

ثم أوضح أنه لا يعترض على قرار الرئيس الأميركي بالانسحاب الكامل لكنه أبدى قلقه، مكرراً "أرجو ألا تخرب الأمور".

يشار في السياق، إلى أن العديد من الأميركيين يربطون إلى حدّ كبير لدى التحدث عن أفغانستان بين تقاعس الأفغان عن إنجاز الأفضل بمساعدة الأميركيين من مدنيين وعسكريين وبين الانهيار المنتظر بعد أشهر، فالأفغان سمحوا بعودة طالبان بعدما دحرتهم القوات الأميركية.

المغادرة

لا يرسم كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية الصورة ذاتها، بل يشيرون إلى أنهم درّبوا 300 ألف جندي أفغاني، مؤكدين أن عملاً ضخماً أنجز هناك خلال السنوات العشرين الماضية، ولم يعد الهدف الآن سوى التعامل مع الواقع في الأشهر والسنوات المقبلة.

فالخطوة الأولى الآن هي سحب القوات الأطلسية، وعددها 9 آلاف و500 جندي، فيما يصل عدد القوات الأميركية من ضمنها إلى 2500 جندي، يتبعها في العدد الألمان بـ 1300 جندي، فيما لدى باقي دول الأطلسي العشرات من الجنود أو المئات، موزعين على ستة مواقع رئيسية كما تشير الخريطة المرفقة.

وقد وجّه الأميركيون تحذيرات شديدة لحركة طالبان وهددوا بالردّ القاسي لو تعرضت هذه القوات لهجمات خلال مرحلة الانسحاب.

أما التحدّي التالي، فيمتد على سيناريوهات كثيرة عن الانهيار وسقوط أفغانستان في يد طالبان وعودة التنظيمات الإرهابية.

لا موطئ قدم

إلا أن العسكريين في البنتاغون يرفضون الخوض في تفاصيل السيناريو الأسوأ، وقد اكتفى وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن بالقول إن الأميركيين سيحتفظون بقدرات لمكافحة الإرهاب.

فيما تشير بعض المعلومات إلى أن القادة العسكريين في البنتاغون وفي القيادة المركزية يبحثون إمكانية نشر قوات خاصة وقدرات جوية على متن سفن في بحر العرب كقاعدة انطلاق لعمليات جوية أو عمليات كوماندوس، كما يدرسون استعمال أراضي باكستان وطاجيكستان وباقي دول وسط آسيا كقاعدة انطلاق عند الضرورة.

لكن المشكلة الأساسية التي يواجهها الأميركيون مع باكستان هو رعاية الباكستانيين لتنظيم طالبان وقربهم عرقياً منهم وربما يواجه الأميركيون في باكستان غريماً، ولن يجدوا حليفاً كما كان الحال أيام الاجتياح السوفيتي لأفغانستان.

أما المشكلة الثانية فيواجهها الأميركيون مع طاجيكستان وباقي دول وسط آسيا، فقد فقدت واشنطن تدريجياً القواعد العسكرية التي أنشأتها أو استعملتها بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 وكانت آخرها قاعدة "مناس" في غيرغيسستان العام 2014 والآن تقع هذه الدول في دائرة النفوذ الروسي اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وأي مرور في هذه الدول سيعني موافقة موسكو.

سيناريوهات أخرى

لذا سيضطر الأميركيون الآن للتفاوض مع كل هذه الدول لوضع تصورات المواجهة في الحالة الأسوأ، أي سيطرة طالبان بشكل كامل على أفغانستان وانهيار الحكومة المركزية في كابل وسيطرة تنظيمات إرهابية على مناطق في البلاد كما كان الوضع قبل العام 2001 لكن الإدارة الأميركية وكثير من المتخصصين في الشأن الأفغاني لا يرون أن هذا السيناريو هو الوحيد أو الحتمي.

وفي هذا السياق، طرح انطوني كوردسمان أحد أفضل الخبراء الأميركيين في شؤون أفغانستان الكثير من الأسئلة أولها أن التحدث عن مكافحة الإرهاب يفترض توقع وجود هدف محدد على الأرض في أفغانستان، وبالتالي تخصيص قوة أميركية لضربه، ويشدّد على ضرورة انتظار ما سيكون عليه الوضع الحكومي الأفغاني، وأي استقرار أو فوضى ستكون لدينا قبل الوصول إلى السيناريوهات الأخرى.

كما يلفت النظر إلى أن مكافحة الإرهاب تحتاج إلى عمليات خاصة أكثر مما تحتاج لقواعد عسكرية ونشر قوات في الدول المجاورة.

إلى ذلك، حذّر في اتصال هاتفي مع العربية من أن الإرهابيين الذين يمكن أن يهددوا المعالم التاريخية والحضارية في الولايات المتحدة أو أي مكان آخر، ليسوا بالضرورة نسخة عن القاعدة أو داعش بل يجب التفكير أيضاً ان دولاً ربما تسقط في يد أنظمة جديدة، إلا أنه يوضح أيضا أن التنظيمات الإرهابية تستطيع أن تهدد العالم من دون أن يكون لها حضور مادي في رقعة جغرافية.

وتوقّع كوردسمان الذي يعمل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أن تكون الأوضاع في أفغانستان بعد سنتين مماثلة لما هي عليه الآن.

غير أن الأميركيين الذين تلقوا ضربة موجعة منذ عشرين عاماً بسبب استعمال تنظيم إرهابي لأراضي أفغانستان وشنّوا هجمات 11 سبتمبر يشعرون الآن أن الأمور مرشحة للعودة إلى حيث كانت قبل سنوات، على الرغم من كل الجهود والتضحيات التي بذلت.