.
.
.
.

من "المفاجأة" إلى "المأساة"

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

المعركة اشتعلت فجأة، حول المياه، رغم علم الجميع منذ سنوات طوال، أن إثيوبيا ستقيم سدا على النيل الأزرق، وأن مصر خاضت مفاوضات استمرت ١٢ عاما حول حصص المياه، وأن الخلاف على ملف المياه بين الخارجية والرى ليس وليد اليوم، بل هو ابن عشرين عاما مضت، وأن مصر أهملت إثيوبيا تماما منذ ١٨ عاما، فلماذا حدث كل ذلك فجأة ؟ الإجابة بسيطة جدا، لأننا نعشق المفاجآت، ونحب الصدمات، وننحاز للتعامل بالقطعة، ونهمل التاريخ ولا نلتفت إليه، ولا نعرف شيئا اسمه التخطيط، وبصراحة لم تنجح الثورة فى تغيير هذا المنهج، أو تبديل طريقة التفكير هذه، فعلى ما يبدو أن ذلك أصبح جزءا أصيلا من الثقافة العامة التى تحكم قيادة البلاد، بغض النظر عن الخلفيات الايديولوجية أو المرجعيات السياسية، أو حتى اختلاف تكوين شخصيات من فى سدة الحكم، ففعلا كلنا نفكر ونعمل بذات الطريقة وبنفس الأسلوب.

و«فجأة» ليست مرتبطة بالقضايا الكبرى، أو بموضوعات السياسة فقط، بل هى متوغلة فى كل التفاصيل، ومتغلغلة لكل الأمور، فالطالب يأتيه الامتحان فجأة، ووزارة التعليم تكتشف ــ فجأة ــ أن العام الدراسى على الأبواب، ووزارة التموين تفاجأ بشهر رمضان، وكذلك إدارات المرور، ثم يستنكرون أن الشعب يأكل أكثر، أو أن المواطنين يرغبون فى العودة لبيوتهم فى ذات التوقيت فجأة، حتى التليفزيونات، لا تكون مستعدة لقدوم رمضان، والأكيد أن الكل يذكر زمن الفوازير التى كان يتم تصويرها حتى الدقائق الأخيرة قبل إذاعة الحلقة الأخيرة، وهو ما ينسحب الآن على ما نطلق عليه مسلسلات رمضان، ولا داعى أن نقول من الآن إن الانتخابات البرلمانية ستأتى فجأة للحكومة والمعارضة.. الأمثلة لا تنتهى فـ«فجأة» صارت ثقافة أصيلة عند كل مصرى.

ولعل الذين تجاوزوا العقود الاربعة من العمر، يتذكرون الحملة التليفزيونية الشهيرة «لازم نحطم معلش»، بعد أن أصبحت كلمة «معلش» صاحبة البطولة المطلقة لكل تفسيرات الأخطاء والتجاوزات التى كانت تحاصرنا فى زمن ما مضى، وقد نجحت «فجأة» فى الحصول على البطولة المطلقة منذ سنوات، فصار كل مايصيبنا هو من باب المفاجآت، وكل ما نتعرض له قد حدث فجأة، رغم أننا جميعا نعلم أننا فقط لم نلتفت لما هو قادم، مثل قصة تحويل النيل الأزرق وبناء سد النهضة. أعتقد أننا فى احتياج شديد، لعودة التخطيط لكل تفاصيل حياتنا، وضرورة معرفة طبيعة وحقيقة مشكلاتنا، وقبلهما، الشفافية فى إعلان ذلك للرأى العام، خاصة فى قضايا أساسية ورئيسية مثل المياه، فالمشكلة لم تكن فى إعلان إثيوبيا عن تحويل مجرى النهر، لكن المشكلة فى أن الدولة فى مصر أخفت الحقائق عن الشعب، أما المأساة الكبرى فى مشكلة المياه.. أن رئيس الوزراء الحالى كان أحد المسئولين منذ سنوات طويلة عن هذا الملف، فكيف يحدث كل ذلك دون أن ينتبه أو ينبهنا، وإذا كان هذا ما حدث فى ملف يعرفه جيدا وأحد صانعيه، فماذا عن الملفات التى لا يعرفها من قبل؟ وأرجو ألا يكون الخبر الأخير مفاجأة لأحد.

نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.