الدستورية وإرادة الشعب

محمد حسان
محمد حسان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

أسوأ ما في الحالة التي انتابت المصريين بعد حكم الدستورية العليا ببطلان مجلس الشوري مع استمراره بصلاحياته التشريعية لحين انتخاب مجلس النواب أنها أكدت أن مصيرنا لايزال في يد ترزية القوانين والدستور وخبراء التعامل مع الثغرات‏,‏

فهذا الحكم كان من المفترض صدوره في ديسمبر الماضي لولا الحصار الإخواني للمحكمة قبل الاستفتاء علي الدستور لتحصينه بإرادة الشعب في مواجهة دعاوي البطلان‏.‏


هؤلاء ينجحون أحيانا ويتعثرون أخري إلا أن النجاح أو التعثر لا يقاس بتحقيق صالح الوطن ولكن وفق القدرة علي تقديم سيناريو افتراضي يضمن المصلحة الشخصية ولذلك جاء الحكم أمس بردا وسلاما علي قلب النظام الحاكم والشوري إلا في جزئية تحديد موعد لانتخابات مجلس النواب المقبل‏,‏ علي عكس ما كان مع حكم تصويت العسكريين والشرطة الذي سيقاتلان إما في التعامل الآمن معه أو الاستفادة منه ومن القرارات المثيلة لتطويل مدة المجلس الباطل الشرعية المنحل بالقانون والمستمر بالدستور‏,‏ وجاء بمثابة المولوتوف الذي سيزيد أحداث‏30‏ يونيه اشتعالا بصيغة تجعل كل الأشياء في مصر باطلة‏.‏


استمرار عقلية الترزية في التعامل مع مصير الوطن يحتاج إلي حماية إجبارية لمصر في مواجهة من يصرون علي فض بكارتها القانونية والدستورية‏,‏ فلدينا في مصر كل شيء مباح ومحرم في نفس الوقت بالقانون والدستور وبينهما سلطة تحتمي بهما في لحظات ضعفها وتتفاخر بهما أيضا في حالات العناد السياسي والتكبر الديمقراطي‏.‏


والذي لا جدال فيه أن حكم الدستورية أمس لا يزيد علي كونه علامة للذكري والتاريخ لأنه لم يقدم أو يؤخر وجاء ليعمق المبدأ المصري الأصيل‏:‏ يبقي الوضع علي ما هو عليه وعلي المتضرر اللجوء للقضاء إذا رغب في الحلول الوسط أو للتظاهر إذا أراد مزيدا من تجريس النظام أو لدعاوي إسقاط النظام‏,‏ في حين يستمر النظام ذاته مع الكوميديا السوداء التي تعيد للأذهان رائعة المخلوع خليهم يتسلوا بين فصول تمرد وتجرد ومؤيد ورباعيات اللهو الخفي الذي يحرك دفة الأحداث في مصر وسط نشاذ سياسي صارخ بينما يتواصل دور محترفي القانون وهواته في الإفراج عن الصكوك وتنمية القناة والتعديلات الضريبية وغيرها من القوانين التي يغرد فيها منفردا سياسيون من الإخوان والسلفيين والمؤلفة قلوبهم‏.‏


يذكرني ذلك بفيلم ستيفن سبيلبرج العودة إلي المستقبل فلو عاد بنا الزمن إلي ديسمبر الماضي وأصدرت الدستورية حكمها دون حصار لتغير المشهد والواقع السياسي ولو عدنا من الماضي إلي الحاضر فلا جديد إلا دوامات الحكم وبعض فقاقيع تعطي لكل سياسي حق التفسير علي هواه وإذا امتد بنا الخيال إلي المستقبل سيتوقف بنا سبيلبرج عند‏30‏ يونيه كثورة جديدة ضد النظام خاصة أن كل شيء أصبح باطلا إلا إرادة الشعب سواء بالاستفتاء والدستور أو بشعار الشعب يريد إسقاط النظام‏.‏

*نقلا عن صحيفة "الأهرام المسائي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.