مصر ليست الجزائر
الحادثة المفجعة التي وقعت على أسوار دار الحرس الجمهوري في القاهرة، اعطت المتشائمين حجة اضافية لتوقع سيناريو مصري يحاكي التجربة الجزائرية المرة.
مهلاً أيها المتشائمون، فمصر ليست الجزائر التي انهكتها حرب أهلية في التسعينات من القرن الماضي. مصر المحروسة ذات وضع مختلف، فالجزائر منذ استقلالها تبحث عن هويتها: هل هي عربية اسلامية، أم أمازيغية صحراوية، أم عربية فرنسية؟
أزمة الهوية التي لم تحسم بعد فخخت الجزائر وفجرتها من داخل وكانت محرك حروبها الداخلية. بينما هوية مصر محسومة منذ توحيدها سياسياً في اطار دولة مركزية قبل خمسة آلاف سنة، والمجتمع المصري أيضاً مستقر جداً على قواعد ثابتة تسمح بتجانس ثقافي تندمج فيه الاقلية المسيحية بالاكثرية المسلمة.
والجزائر حالة فريدة في التاريخ السياسي، حيث جيش الحدود ذو الهيكلية النظامية بقيادة هواري بومدين بنى دولة بعدما اباد المحتل الفرنسي كل المؤسسات وصحّر البلاد من الكفايات قتلاً أو ترحيلاً أو عمالة. أضف ان الجيش الجزائري علماني، وهكذا عندما اظهرت انتخابات 1988 فوز الاسلاميين اعتبر الجيش ان دولته سرقت منه فتفجرت كل مكنونات الهوية وصار الصراع على السلطة صراعاً حاسماً بين علماني واسلامي، بين امازيغي وعربي، بين متفرنس ومستعرب.
بينما الجيش في مصر هو وليد القومية المصرية الحديثة وضامنها، وهذه الدولة ليست علمانية ولادينية ثيوقراطية. ويمكن هذه الدولة ان تكون اسلامية شرط ان تظل دولة قومية. وهنا أخطأ "الاخوان" عندما سعوا الى صبغ الدولة بالطابع الاسلامي ونزع الصفة القومية الملازمة لها عنها. الجيش المصري لم يتدخل لتقوية العلماني على الاسلامي بل تدخل فقط عندما تجاوز الشارع العلمانيين والليبراليين الى قطاعات اجتماعية اوسع شعرت ان لا سبيل آخر امامها سوى التمرد على التفرد. وربما غاب عن "الاخوان" ان للجيش المصري صلة فريدة بشعبه، والمصري العادي يثق فيه ويعتبره العمود الفقري للدولة من دونه تفتقد حياته سندها، وهذه العلاقة الاستثنائية تعود إلى تأسيس الدولة الحديثة في عهد محمد علي اذ نهضت على ركيزتين، أولاهما الجيش الحديث الذى دمج تدريجاً أولاد الفلاحين فيه إلى أن تمّ تمصيره كاملاً، وهو قاعدة الدولة وسند الشرعية فيها. وثانيتهما البعثات التعليمية التى أرسلت إلى فرنسا، وقد أسست لدولة جديدة تتصل بعصرها وتنفتح أمامها العلوم والثقافات ومناهج التعليم الحديثة. ومشكلة جماعة "الإخوان" أنها اصطدمت بالركيزتين معاً، الدولة بمعناها الحديث والجيش قاعدتها الصلبة.
الدولة هي الحقيقة الكبرى في التاريخ المصري الحديث، والصدام معها كلفته باهظة على مستقبل جماعة وجدت نفسها في عزلة عن مجتمعها وفجوات الكراهية معه تعمقت. لذا فان احتمال حصول اضطرابات وارد وخصوصاً بعدما خطف "الجهاديون" سيناء، لكن الحرب الأهلية من الصعب ان تقع.
*نقلاً عن "النهار" اللبنانية