مجلس الشيوخ إحياء لجثة الشوري
واضح ان مجلس الشوري بات مثل بطل الافلام الامريكية بعد كل مرة يموت فيها يحيا من جديد, فحين تشكلت لجنة العشرة لدراسة تعديل المواد الدستورية محل الخلاف تم الاتفاق علي الغاء مجلس الشوري.
وفعلا لم يكن في المسودة التي أحيلت الي لجنة الخمسين أي وجود لمجلس الشوري واعتبرنا ان وجوده في الحياة التشريعية بات منتهيا.
مؤخرا ظهرت تصريحات من داخل لجنة الخمسين تشير الي إمكانية عودة مجلس الشوري تحت اسم جديد وهو مجلس الشيوخ وقيل أنه لا يشبه مجلس الشوري السابق في شيء وسيكون مختلفا في الوظيفة وفي القانون الذي علي اساسه سيتم اختيار اعضائه. الملفت ان الذين يتحدثون عن هذا المجلس الشيوخ يقدمونه لنا باعتباره اختراعا واكتشافا متفردا في الشكل والمضمون متناسين انه قديم في التجربة وفي الاسم والتطبيق, فقد نص عليه دستور1923 وكان الثلث معينا ثم جاء دستور1930 وكان اكثر من الثلث معينا, وفي عام1934 سقط دستور1930 واعيد العمل بدستور23 وظل معمولا بمجلس الشيوخ حتي جاءت ثورة يوليو1952 فألغته تحت عنوان كبير ان زمن الثورة لا يتفق مع تركيبته ومع دوره واكتفوا بمجلس النواب, أي برلمان بغرفة واحدة, لتكون عملية التشريع محكومة ورشيقة.
ظلت الحالة التشريعية المصرية بغرفة واحدة حتي عام1979 حين قرر السادات عمل استفتاء علي إيجاد غرفة ثانية تسمي هذه المرة مجلس الشوري مغيرا الاسم فقط ومبقيا علي الدور بعد ان أضاف اليه اشياء اكسبته سمعة سيئة منذ ميلاده خصوصا فيما يتعلق بخنق صاحبة الجلالة الصحافة. وظل يمارس الشوري دوره حتي قامت ثورة25 يناير. وجاءت الانتخابات البرلمانية. ويتذكر الجميع نسبة المشاركة في انتخاب اعضائه التي لم تتخط7 في المائة. وقتها قال معظم الفقهاء ان هذه النسبة هي استفتاء شعبي علي الغاء هذا المجلس والاكتفاء فقط بمجلس الشعب اي بغرفة واحدة. ولما تم حل مجلس الشعب في بداية عهد المعزول مرسي وأحيلت الي مجلس الشوري عملية التشريع اصبح من المستحيل قبول فكرة أن يبقي هذا المجلس لا باسمه ولا بغير اسمه.
المروجون لعودة مجلس الشوري سيئ السمعة والصيت تحت أي اسم يقولون إن وجود برلمان بغرفتين محاولة لسد ثغرة الاستفراد والهيمنة من قبل حزب قد يفوز بالاغلبية البرلمانية فيشكل الحكومة وقد يكون الرئيس منتميا اليه فلو هناك غرفة اخري ستوجد وقتها توازنا تشريعيا حتي لاتكون كل السلطات في يد حزب واحد, وهنا السئوال المهم: اذن سيكون لهذا المجلس دور تشريعي حتي توجد التوازن الذي تتحدث عنه ؟ وهنا تعود ريما الي عادتها القديمة ويصبح هناك ذلك التضارب التشريعي, اضف الي ذلك ان نسبة السيطرة والاستحواذ أكبر في مجلس فيه ثلث معين او قد يكون الثلثان من المعينين. وهنا الخطورة ايضا ورأيناها عندما عين مرسي المعزول90 عضوا اكتشفنا انهم جعلوا المجلس لونا واحدا, فمن يضمن الا تتكرر التجارب.
ثانيا لنطرح السؤال بشكل مغاير, ماذا لو لم يستحوذ حزب سياسي واحد علي كل شيء؟ ماذا ستفعل مع مجلس تريدون ان يكون له دور ؟ ببساطة سيكون عبئا ليس علي العملية التشريعية بل علي ميزانية الدولة. الشئ الأخطر في اعتقادي ان وجود هذا المجلس تحت اي اسم سيكون بابا خلفيا معيبا لترضيات مقيتة نحلم ان تتطهر الأجيال القادمة منها, سيكون عزبة للشللية والهتيفة والمطيباتية ومنافقي الانظمة. كما انه سيكون وسيلة اخري لتسكيت الغاضبين خصوصا الاقليات والفئات المظلومة مثل الشباب والمرأة والاقباط والفلاحين والعمال, فبدلا من أن نبحث لهم عن دور تشريعي حقيقي ومساهمة فعلية لا صورية سنقول لمن يرتفع صوته بالشكوي في اغفائة للنوم, وقتها سيكون ثقبا ليس في التشريع بل في ضمائر من يحكمون.
شيء آخر ردده المروجون لعودة الروح في جسد ذلك المجلس انه قد يتولي دورا مهما في الرقابة وفورا تساءلنا اي رقابة ؟ هل الرقابة علي القوانين؟ ورحت استعيد واستدعي من ذاكرتي أيا من قوانين قد يكون ذلك المجلس قد مارس أي رقابة عليها, فلم أجد. فأضافوا أنهم يقصدون أن الرقابة القادمة ستكون علي الرئيس والحكومة والوزراء. وهنا عدة أسئلة, كيف نطلب من أعضاء ثلثهم أو أكثر تعينهم الحكومة والرئيس أن يمارسوا رقابة نزيهة علي من عينهم ؟
الكارثة التي ألاحظها في أداء لجنة الخمسين مع كامل الاحترام والتقدير لاعضائها وللمجهودات التي يقومون بها انهم يدخلون علي غرفة تصنيع الدستور وفي ذاكرتهم الحاضر فقط والذين يصنعون الدساتير يجب ولابد ان ينتموا لذلك الصنف من البشر الذي يملك فائضا في الخيال حتي يتسني لهم السفر في المستقبل لتصور ما قد تحتاجه الاجيال القادمة. لذا ليس مستغربا ان يطلق الغرب مقولة ان الدساتير يصنعها الشعراء والفلاسفة, وللأسف ليس في لجنة الخمسين لا شعراء ولا فلاسفة وإن وجدوا فهم في الاحتياط.
نقلاً عن صحيفة "الأهرام"