تكرار المكرر .. والوتر الحساس ..!
نواصل الحديث عن الفساد ، او الوتر الحساس على حد وصف البعض ، ونعود الى السؤال الذى اختتمنا به موضوع الأسبوع الماضي : هل يمكن حقاً ان نجعل منطقتنا العربية خالية من الفساد ، وهل يمكن ان يتحقق ذلك الهدف بكل تجلياته ، وان يعلو علواً شاهقاً عبر ترجمته على ارض الواقع الملموس بعيداً عن الشعارات و المراوحات والأحجيات والمجاملات وما إلى ذلك ..؟!
السؤال بعبارة اخرى هل يمكن رسم خارطة طريق موحدة للمساهمة فى تحقيق النزاهة والشفافية وتعزيز الأجندة السياسية لمكافحة الفساد فى المنطقة العربية وبناء مسارات حقيقية وملموسة وشفافة للتعاون بين الحكومات ووسائل الاعلام والمجتمع المدني والقطاع الخاص ..؟!
ونواصل الأسئلة : هل يمكن تحديد مواقع القوة والضعف فى بناء خطة عمل تشاركية لتعزيز جهود النزاهة والشفافية والخروج بتدابير تعاونية عميقة تبنى منهجيات قوية ومرنة ومتكاملة من حيث المفاهيم والنظم والمؤسسات والآليات والتشريعات لمكافحة الفساد ، وامتلاك أدوات رصد وقياس لمخاطر الفساد بما يمكّن من ادارة هذه المخاطر سواء بتصويبها ومنع تكرارها ان كانت قد وقعت ، او الحيلولة دون وقوعها ان كانت لاتزال تشكل خطراً غير محقق ، مع أمر مهم وهو المواجهة الحاسمة لعلاقات الشراكة الفاسدة التى تدخل « وفق القانون « او تلك التى تقع فى دائرة « ضد القانون « ، منهجيات تجعل الكل شركاء فى تحقيق هدف محاربة الفساد وفتح آفاق للتنمية الحقيقية المستدامة .
تلك الأسئلة مطروحة منذ زمن طويل ، وطرحت وغيرها فى اكثر من اجتماع و منتدى ومؤتمر اقليمى ودولي لعل آخرها هو المنتدى الثاني لتعزيز الشفافية والحكم الرشيد فى المنطقة العربية والذى استضافته العاصمة العراقية بغداد فى سبتمبر الماضي بتنظيم من المنظمة العربية للتنمية الإدارية وجامعة الدول العربية ، هذا المنتدى شارك فيه نخبة من المسؤولين والخبراء وباحثين من مختلف الدول العربية وممثلين عن منظمات عربية ودولية ، جميعهم وتحت تحت مظلة شعار « النزاهة عنصر أساسي فى عصر التعقيد والفرص « بحثوا سبل تمهيد الطريق لمنطقة عربية خالية من الفساد ، والتدابير والعوامل لتعزيز الشفافية فى هذه المنطقة ضمن واقع سريع التغيير ، وتم فى هذا الاطار بحث مواضيع تتصل بالشفافية ، ودور وسائل الاعلام والمجتمع المدني فى تعزيز النزاهة ، والرقمنة ، ونزاهة الأعمال ، ومستقبل التدابير الوقائية فى مكافحة الفساد فى المنطقة العربية من منطلق ان كل الأطراف شركاء فى مكافحة الفساد من اجل مستقبل خال من الفساد فى واقع سريع التغيير والتعقيد .
لسنا فى موقع من يعرف بما خرج به هذا المنتدى على وجه التحديد والدقة وما خرج من نتائج لم يعلن عنها رغم تبنيه هدف تعزيز الشفافية ، ولا نعلم ما إذا كان هذا المؤتمر كما قال احد المشاركين سيكون اضافة مهمة ونوعية ، او انه سيكون كغيره من المنتديات والمؤتمرات واللقاءات والاجتماعات التى عقدت طيلة السنوات الماضية فى اكثر من بلد عربي وصُرف عليها ما صرف من أموال وجرى فيها تداول أبحاث ودراسات و طرح رؤي وأفكار وتبنى مشاريع وخطط ومبادرات والنتيجة توصيات مصيرها كالعادة الحفظ فى الأدراج ، ولا شيئ يغير من واقع الحال شيئاً ..! ولكننا فى موقع العارفين ، بل المتابعين عن كثب لملفات مكافحة الفساد والمحسوبية والنزاهة والشفافية والحوكمة وتضارب المصالح الشخصية والمصالح العامة سيجد ان هذه الملفات باتت لصيقة بأي طرح يتصل بجهود التقدم والإصلاح والتنمية المستدامة والتطور الاقتصادى ، وان هذه الملفات فرضت ولا تزال تفرض نفسها بقوة فى بلداننا العربية كونها تشكل ضرورة ومصلحة وطنية وركيزة أساسية من ركائز الإصلاح وخطوة مهمة على طريق النهوض الفعلي بهذه البلدان وتعزيز ثقة المواطنين فى انظمتها ومؤسساتها .
لقد بات واضحاً ان مكافحة الفساد من الجذور والمنطلقات هو اليوم علم وصناعة وان لم نتقنها سنظل نراوح فى ذات المكان ، ليزداد الفساد حضوراً فى واقعنا ، نجده فى كل مكان ، فى الفكر والتطبيق ، فى الهدف والأسلوب ، فى السياسة والمنطق ، فى أساس البناء ، فى المقاول والمتعهد والنظام ، فساد تتوسع قاعدته فى أصناف وأشكال ومسميات ومستويات وشبكات ولوبيات مصالح تحمي بعضها البعض ، كما بات واضحاً ان هدف محاربة الفساد فى المنطقة العربية لم يتحقق كما يجب او ظل هدفاً يراوح فى مكانه ، او شعارا يطرح ، والمؤسف ان اكثر من تقرير طرح فى اكثر من مؤتمر يشير إلى ان هذا الهدف لم يقترن بإرادة حقيقية فى محاربة الفساد ، ارادة لاتستثني احداً و تصر على مواجهة الفساد والفاسدين مهما كان الثمن ، ومهما علا المقام ..
بالرغم من ذلك نستطيع ان نقف وننوه بتجربة عربية مميزة وبارزة ولافتة للانتباه ، تجربة توسعت وتشعبت وتعمقت ف مجال محاربة الفساد ، لم نجد فيها من اضطرّ للهروب الى رفع الشعارات والعناوين الفضفاضة وتكرار المكرر من الكلام ، او تعامل مع ملف الفساد وحماية المال من منظور انه ملف حساس ويدق على أوتار حساسة لا يجب الاقتراب منها ، او التعامل معها بحذر او انتقائية ، تجربة قريبة منا جداً وهى التجربة السعودية التى مضت بحزم وحسم فى اتخاذ اجراءات ملموسة فى مجال حماية المال العام ومكافحة الفساد بكل صوره ومظاهره ، واكدت عبر هيئة النزاهة ومكافحة الفساد ان جرائم الفساد لاتسقط بالتقادم وفى هذا السياق قطعت السعودية خطوات تستهدف تحصين المجتمع السعودي ضد الفساد ومواجهة التعدى على المال العام ، وضد كل من يستغل وظيفته لتحقيق مصلحته الشخصية او يضر بالمصلحة العامة ، وكان لافتاً وموضع ترحيب مضي المملكة بعزم واصرار فى تطبيق ما تقضي به الأنظمة والمصلحة العامة وإنفاذ القانون بحق المتجاوزين « كائناً من كان « وتبنت شعار « لا حصانة لفاسد فى بلادنا « ، ووصفت عدة دوائر واوساط إعلامية وحقوقية بإن السعودية بكل ما أقدمت عليه « تشن حرب ضروس على الفساد بخارطة طريق حازمة وشفافة .. استراتيجية دائمة ، ونهج لا حياد عنه « ، وعملت على خلق مجتمع واع بمخاطر الفساد قادر على التصدى له او الكشف عنه ، مع آليات تنفيذ ومتابعة ، وبذلك حققت نجاحاً منقطع النظير فى مكافحة الفساد خلال السنوات الماضية ومنذ إطلاق رؤية السعودية 2030 .
فى اطار ذلك النهج وجدنا الهيئة المذكورة وهى تتخذ اجراءات صارمة وقرارات حازمة ومحاكمات فعلية بحق اعداد ممن ثبت بحقهم التورط فى ممارسات فساد والتعدي على المال العام ومنهم اصحاب مقامات رفيعة ، قضايا رشوة واختلاس وسرقة وابتزاز وانتزاع واستغلال النفوذ وسوء استخدام السلطة والمحاباة والمحسوبية و « الزبونية « ، ولعل المثال الأحدث على هذا الصعيد ما اعلن عنه فى الأسبوع الماضي من احالة 13 قضية فساد مالى واداري بملايين الريالات تورط فيها قاضٍ وموظفون وضابط ، وما ذلك إلا مثال يترجم قوة وثبات الحراك السعودى بمواجهة الفساد بمختلف أشكاله وكل أوجه التعدى على المال العام واستغلال النفوذ.
كم نتطلع ان تشهد كل بلداننا العربية مثل ذلك النهج ، وذلك العزم والإصرار ، وذلك الوضوح بدلاً من المراوحات او الخطوات الخارجة عن نطاق الفعل و الفاعلية والتأثير المطلوبين واللازمين مما جعل هدف المحاربة الفعلية للفساد أمراً مطوياً غارقاً فى الدهاليز ، بل فى المجهول ..!
نقلا عن "الأيام" البحرينية