هل يعكس التاريخ السوري مستقبلها؟

د.أحمد الخزاعي
د.أحمد الخزاعي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

عندما نتتبع التاريخ أحيانا، يمكننا ذلك لحد كبير من فهم الاحداث التي تحصل حولنا اليوم، وبالتالي توقع أحداث ستحصل لاحقا ربما. ما يحصل اليوم في سوريا ليس بمعزل عما يحصل حولها من نزاعات وعدم استقرار، ولا يمكن أن تكون أي دولة من دول الجوار في الشرق الأوسط الكبير أن تنئ بنفسها عن تلك الصراعات، الا بالحكمة والتروي، كما هو الحاصل اليوم في دول الخليج العربي.

أما بالنسبة لسوريا، فهي دولة ذات تاريخ عريق وأهمية كبيرة ليست في المنطقة فحسب، بل هي كذلك بالنسبة للعالم أجمع. لكن تاريخها الحديث مليء بالأحداث المتسارعة التي لا تعطي فرصة للمتابع أن يستوعب حدثا حتى يأتي حدث أكبر منه يسحب الاهتمام عما سبقه. مثال على ذلك، فقد حكم القطر السوري ما يقارب ال٣٦ حاكما -باختلاف المسميات والأسباب- خلال مئة عام مضت، منهم ملك واحد، أما أطول فترة حكم فكانت من نصيب حافظ الأسد، لمدة ٢٩ عاما.

بداية من الملك فيصل الأول الذي حكم في ١٩٢٠ لمدة عام ونيف، حكم ١١ ممن تتابعوا على الحكم من بعده بشكل مؤقت؛ كما دام حكم اثنان منهم لمدة يوم واحد فقط! وارتقى مقاليد حكمها الراحل جمال عبد الناصر ابان انضمام سوريا للجمهورية العربية المتحدة عام ١٩٥٨ لمدة قاربت الأربع سنوات. بحكم حافظ الأسد وابنه مجتمعان، حكم حزب البعث العربي الاشتراكي القطر السوري لما يقارب ال٥٤ عاما الأخيرة، تخللتها الكثير من الاحداث في الداخل والمحيط السوري، وكانت قرارات القيادة السورية، تحالفاتها، ومعاملتها لشعبها ما أوصلها اليوم لما هي عليه. كما أن دخول القوات المعارضة المسلحة السورية أتى كنتيجة لما سبق. كما يجب علينا الا نغفل الاحداث المتسارعة في سوريا منذ ٢٠١١ مع بداية التظاهرات، لانقسام الدولة منتهيا بالعقاب الجماعي العنيف، الذي أدى لنهاية أطول فترة حكم في التاريخ السوري الحديث.

وهذه معلومات مهمة تؤسس لقراءة واستيعاب ما يحصل اليوم لسوريا، بفعل قوى داخلية وخارجية أيضا، ان اخذنا بعين الاعتبار التواجد -التاريخي والحاضر- الإنجليزي، الفرنسي، التركي والإسرائيلي؛ كما لا يمكن اغفال النفوذ الروسي، الإيراني والامريكي في سوريا والمنطقة ككل. أسس كل ما سبق لحقيقة أن مع اختلاف الأسباب، لم تكن الدولة السورية مستقرة حتى قبل أحداث الربيع العربي، الذي اصبح بداية طولية لنهاية كلفت الشعب السوري ٢٣١،١٠٨ قتيلا و ١٤ مليون نازح.

شخصيا، لم اثق يوما في ميليشيات مسلحة مهما كان توجهها، وبالذات الحركات الأصولية؛ لكن الاحداث المتسارعة مؤخرا فرضت واقعا يجب التعامل معه بكل حصافة؛ فمن ناحية لم تسلم الدول التي ادارتها ميليشيات دينية مثل أفغانستان والعراق لكن من ناحية اخرى ماتزال الخطوات التي يتخذها احمد الشرع مختلفة تماما عن الآخرين. اتمنى ان اكون مخطئا، فالشعب السوري يستحق ديمومة الأمن والاستقرار؛ وما قام به الشرع لحد الآن يتعارض مع التوجه الغوغائي ويصب في اتجاه بناء دولة مؤسسات، وعدالة، وقانون. بعكس ما كان متوقعا من ميليشيات مسلحة ذات طابع إسلامي، مدعمة بتاريخ الشرع الجهادي في صفوف جماعات تعتبر متطرفة، كانت التصورات انه سيقوم بالاستمرار على ذات النهج.

التصريح عن انتخابات بعد أربع سنوات، وحل هيئة تحرير الشام واعلان من قبيل تغيير مسميات المستشفيات ومؤسسات التعليم العالي لأسماء تتعلق بالمناطق السورية بدل مسميات لها دلالات حزبية او أسماء متعلقة بالأسرة الحاكمة السابقة، لبدائل وطنية تحمل أسماء المدن السورية له دلالة واضحة بتوجهاته ومصير سوريا القادم. كما ان ما سيضيف دعامة أساسية للمرحلة القادمة سيكون حفظ حقوق الأقليات، والتوجه لتأسيس قضاء عادل يقوم بمحاكمات عادلة بدلا من الاغتيالات ودعم الجماعات المسلحة والتصفيات خارج نطاق القانون والاهم هو حصر السلاح بيد الدولة، هو ما سيكون اللبنة الأولى لدولة تكسب ثقة المواطنين بجميع فئاتهم.

لا يمكننا هنا اغفال حقيقة ان كلفة استبدال القوى الحالية بغيرها سيكون مكلفا أكثر من كلفة مجاراته واعطائه فرصة، وهو ما يرجعنا للسؤال الأهم، هل يعكس التاريخ السوري مستقبلها وترجع كدولة بوليسية أم يتمكن أحمد الشرع وفريقه من كسب ثقة السوريين مع كل خطوة إيجابية يخطيها؟ فسوريا تمر بمخاض صعب، أتمنى أن يكون مباركا بتصدي السوريين، كل السوريين، كشعب واحد لا تفرقه الطوائف والتوجهات والأديان عن المضي قدما لبناء وطن يترجم تطلعات أبنائه كافة برجالها ونسائها، بدروزها وشركسها ومسيحييها، بشيعتها وسنتها. ولا يسعنا الا ان نقف معهم فيما يتطلعون له وما يختارونه هم لأنفسهم ودعمهم لمستقبل واعد لهم، وللمنطقة ككل، فالمخاض في الشرق الأوسط في أوله والأيام حبلى بتغيرات كبيرة ندعو الله ان يجنبنا ويلاتها ويخرجنا منها سالمين.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط