حلم «المرشد الثالث» وصدمة الوريث الورقي
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
لم يكن صعود مجتبى خامنئي إلى سدّة العرش مصحوبًا بظهور تقليدي أو مراسم احتفالية تليقُ عادة ببزوغ نجم مرشد أعلى جديد. بدلاً من ذلك، تشكل مساره عبر آليات التوريث، وثقل إرث والده، وهياكل السلطة الدينية الغامضة. ومع ذلك، عندما حانت اللحظة لتجسيد تلك السلطة علنًا، ترك غيابه عن مراسم التتويج فراغًا ملموسًا. إن الطقس الذي كان من المفترض أن يرسخ شرعيته، سلط الضوء بدلاً من ذلك على هشاشة ادعائه بالسلطة، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت سلطته موروثة وليست مكتسبة، وعما إذا كان بإمكانه حقًا لعب دور الحاكم المرئي.
جسَّدت الشخصية الورقية التي استحضرت في حفل التنصيب هذا التناقض، فالشخصية الورقية لها شكل ولكن بلا عمق، ولها حضور ولكن بلا جوهر. يمكن عرضها، لكنها لا تملك القدرة على الفعل أو الصمود أو الإلهام. وبالتطبيق على مجتبى، يشير هذا المجاز إلى زعيم يوجد كعرض أكثر مما يتواجد كحقيقة، شخص تم تشكيل سلطته من قبل المؤسسات ولكنها لا تتجسد في حضوره الشخصي. وقد عزز الغياب عن مراسم التتويج هذا التصور، محولاً إياه إلى رمز للقيادة الجوفاء، وشخصية ترى ولكن لا يشعر بها، ويذكر اسمها ولكن لا يلاحظ أثرها.
إن هذا الفراغ ليس مجرد إخفاق شخصي، بل هو ضرورة هيكلية للقوى التي وضعته في هذا المنصب. فبينما يفتقر المرشد الورقي إلى عمق الكاريزما الشخصية أو التفويض الديني، يظل ظله منتصبًا بفضل الدعم من خلف الكواليس المتمثل في الحرس الثوري ومكتب المرشد الأعلى. وفي هذا السياق، يصبح التخفي متطلبًا وظيفيًا للدولة العميقة التي تفضل واجهة يمكن التنبؤ بها على قائد صاحب رؤية قد يكون متقلبًا.
ومن خلال إيصال شخصية ترى ولا يشعر بها، تضمن النخب العسكرية والبيروقراطية أن يصبح منصب المرشد الأعلى وعاء لمصالحهم الجماعية بدلاً من أن يكون مصدرًا لسلطة مستقلة. إن غياب مجتبى يعني أن الرجل نفسه ثانوي أمام الآلة البيرقراطية، وطالما ظلت صورة المنصب سليمة، فإن جوهر الحكم يمارسه أولئك الذين يقفون خارج إطار الصورة مباشرة.
في الداخل الإيراني، يتردد صدى هذا الغياب بعمق، فبالنسبة للإيرانيين، لا تقتصر القيادة على الألقاب فحسب، بل تتعلق بالحضور في لحظات الأزمات والمراسم، خصوصًا في وقت الحرب القائمة. إن القائد الذي لا يظهر في حفل تتويجه يواجه خطر أن ينظر له كشخص منفصل عن الواقع، أو غير موثوق، أو مفروض بدلاً من كونه مختارًا، خصوصًا مع تكاثر التأويلات والشكوك عن وجوده على قيد الحياة أساسًا. ويغذي هذا الغياب الشكوك بين المواطنين الإيرانيين، ويقوض الثقة، ويخلق انطباعًا بحاكم ليس موجودًا حقًا مع اختلاف الأسباب. وفي عيون الكثيرين، يصبح مجتبى شخصية بعيدة، اسمًا بلا وجه، وزعيمًا لا يستطيع تجسيد الدور الذي يدعيه. هذا الغياب يقوض الروابط بين الحاكم والمحكوم، مخلفًا فجوة في المصداقية لا يمكن لأي قمع أن يردمها.
أما إقليميًا ودوليًا، تبدو التداعيات أكثر تعقيدًا. ففي الشرق الأوسط، حيث تقاس القيادة غالبًا بالظهور والكاريزما والقدرة على تصدير القوة، بينما يعزز غياب مجتبى تصور الضعف. بالنسبة للدول المجاورة، يظهر كشخصية ورقية - موجود في اللقب وغائب في الجوهر، قائد لا يقود.
وهذا يعقد قدرة إيران على فرض سلطتها في الخارج، ويضعف مصداقيتها في المفاوضات، ويقلص قوتها الرمزية في التوازن الإقليمي. ودوليًا، تغذي صورة الوريث الورقي الروايات حول هشاشة النظام الإيراني، مما يشير إلى أن قيادته صورية أكثر مما هي حقيقية، ومفروضة أكثر مما هي أصيلة. وبهذه الطريقة، يتردد صدى غياب مجتبى في مراسم التتويج إلى ما وراء حدود إيران، مشكلاً تصورات الشرعية والقوة في الساحتين الإقليمية والعالمية على حد سواء لأمر فتح المجال أمام شخصيات معارضة في الخارج، مثل رضا بهلوي ومريم رجوي، لطرح أنفسهم كبدائل محتملة، رغم أن حضورهم داخل إيران ما يزال محدودًا ولم يحظَ باعتراف ملموس من الشارع الإيراني.
نقلا عن "الأيام"