ليست مجرد كرة قدم!
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
هل ما نشاهده في بطولة كأس العالم الحالية مجرد مباريات وتنافس بين 22 لاعباً في المستطيل الأخضر، أم أن الأمر أصبح مختلفاً تماماً وتعدى الكرة إلى مجالات أخرى كثيرة تتعلق بالانتماء والقوة الناعمة؟ حتى سنوات قليلة مضت، كان العديد من أولياء الأمور في دول مختلفة في العالم يلومون ويوبخون أولادهم إذا مارسوا رياضة كرة القدم، لأنهم يرونها تلهيهم عن المذاكرة والتحصيل الدراسي والحياة الجادة.
في العقود الماضية لو تجرأ أي طالب وتحدث مع أهله عن رغبته في احتراف لعب كرة القدم أو أي رياضة مماثلة غضب منه الوالد وربما طرده من البيت.
كان الآباء في الماضي يحلمون أن يروا أولادهم يعملون في مهن أساسية ينظرون إليها كونها معياراً للوجاهة مثل سلك النيابة والقضاء أو ضباطاً في الشرطة أو القوات المسلحة أو أطباء ومهندسين ورجال أعمال. الآن تغير ذلك إلى حد كبير، وصار التحاق طفل صغير بفريق معروف لكرة القدم أو أكاديمية رياضية في أي بلد بالعالم أمراً صعباً جداً، ويحتاج إلى جهد كبير بعد أن اندفع الكثير من الشباب للالتحاق بالأندية والأكاديميات عله يصير لاعباً مشهوراً.
الآباء الجدد تغيرت ذهنيتهم إلى حد كبير، وحلم بعضهم في مصر مثلاً أن يرى ابنه يكرر مشوار النجم العالمي محمد صلاح، أو عمر مرموش أو نجوم المنتخب المغربي، الذين حصدوا المركز الرابع في مونديال الدوحة قبل أربع سنوات، ويواصلون الأداء المشرف في المونديال الحالي.
وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً مهماً في تغيير النظرة السلبية لممارسة كرة القدم إلى نظرة شديدة الإيجابية. أعرف شخصاً أرسل ابنه لدراسة الحقوق في إحدى الجامعات البريطانية، كان يحلم بأن يرى ابنه محامياً دولياً مرموقاً. الابن أنهى الدراسة بتفوق، لكنه قرر أن يختار تخصصاً لم يخطر إطلاقاً على ذهن الوالد.. اختار الابن تخصص الدفاع والترافع في القضايا الكروية، ومحاولة فتح مكتب ليكون وكيلاً للاعبين.. هذا تخصص جديد في الوطن العربي، لكنه يكشف كيف تغيرت النظرة ليس فقط لكرة القدم، ولكن للعديد من المجالات المرتبطة بها.
في الماضي كان لاعب الكرة يحرص على أن تكون له وظيفة مضمونة بعد اعتزاله، باعتبار أن لعب الكرة ليس مضموناً، ومعظم اللاعبين يعتزلون في منتصف الثلاثينيات تقريباً، والأخطر أن أسراً عربية كثيرة لم تكن تسمح بزواج بناتها من لاعبي الكرة، باعتبار أنه لا مستقبل لهم.
الآن تغير كل ذلك إلى حد كبير، وصارت الأسر الكبيرة والعريقة تتمنى زواج بناتها من لاعبي الكرة، خصوصاً النجوم الذين يتقاضون أجوراً فلكية، يصعب أن تتقاضاها العديد من المهن الأخرى. كرة القدم اليوم هي صناعة كبيرة، ومتكاملة الأركان، ومعها بعض الرياضات الأخرى، لكن كرة القدم تظل اللعبة الشعبية الأولى في أغلبية دول العالم باستثناء دول قليلة مثل أمريكا.
نجوم الكرة في الماضي كانوا يتقاضون أجوراً قليلة جداً، مقارنة الآن بالأجور التي وصلت لمستويات فلكية كما حدث في انتقال ميسى ونيمار لباريس سان جيرمان. كرة القدم صارت صناعة حقيقية، لأن مليارات البشر صاروا متعلقين بها، ويتابعونها ليل نهار، ويعمل بها ملايين البشر. هي لم تعد مجرد مباراة يتبارى فيها 22 لاعباً من الفريقين بل صارت واحدة من أهم وسائل التسلية والتنافس والقوة الناعمة، وتحقيق الأرباح، بل وعنواناً مهماً لقوة أي دولة أو فريق.
وكما كتب البعض بصدق قبل أيام علي الفيسبوك فإنه: «في لحظة المباراة يتحول الوطن من فكرة سياسية مجردة إلى صورة ملموسة تتجسد في قميص وعلم نشيد ومدرج يهتف بصوت واحد. وكما تصنع المدارس والجيوش والإعلام رموز الهوية تصنع الرياضة لحظات عاطفية يعيشها الناس معاً فيشعرون أن الجماعة ليست فكرة بعيدة، بل تجربة يمكن مشاهدتها وسماعها».
حين يلعب منتخب أي دولة مباراة مهمة، تصبح المباراة مساحة رمزية تختبر فيها صورة الوطن، من حيث قوته وكرامته وقدرته علي المنافسة ومكانته بين الآخرين.
ووسط تعدد الهويات الفرعية والخلفيات تأتي المباريات كونها طقساً جماعياً يعلق الاختلاف مؤقتاً، ويعيد إنتاج شعور وطني مشترك حول لحظة واحدة. لهذا لا نتذكر فقط نتيجة المباراة، بل أين كنت ومع من شاهدنا وكيف بدأ الشارع بعد المباراة؟ لأن كرة القدم في لحظاتها الأهم لا تسجل أهدافاً فقط.
نقلا عن "البيان"