الهروب من السوشال ميديا!
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
بينما تجلس على كرسيك الوثير قرب مكتبتك الشخصية، مبتعداً عن مصادر الإزعاج والأصوات البشرية داخل بيتك، وتلك الآتية من الشارع المحاذي، تسحبك الحكاية التي تقرأها إلى أزقة بعيدة وشخوص ذوي نفسيات ظلامية تدير حوارات مغلقة مع ذواتها وأشباحها، فتشعر بضيق يتسلل من الأوراق إلى قلبك، فترمي الكتاب وتمسك بهاتفك كأنك تمسك بحبل النجاة، ومنه إلى مواقع التواصل، وهناك يفتح باب السيرك الأكبر الذي سيقلب مزاجك دون أن يترك لك فرصة تتملص فيها، أو تنجو من قبضة الاستمرار إلى ما لا نهاية!
ففي تلك الحسابات والمواقع يقع عالم من البريق والأصوات والأسماء والأخبار: الغريب والجديد، البشر والبلدان والمدن والجزر، المهرجانات والمؤتمرات ومباريات كرة القدم ونجوم بحجم الكوكب، قصص الحب والحرب والزواج والخيانة، رجال يدربون نساء على الرقص الشرقي، ونساء يتحدثن عن قصص نجاحات مذهلة في إدارة نوادي المصارعة وصالات الرياضة، وأشخاص كثيرون ممتلئون بالجهل والغطرسة يديرون حوارات، يقيّمون فيها مبدعين وعباقرة في الأدب والثقافة والعلم وكرة القدم.. عالم من المتناقضات والإزعاج وهوس الظهور والكذب!
الحقيقة الصلبة التي لا مجال لاختراقها هي أن كثيراً من السوشال ميديا لا تفعل شيئاً أخطر من إذكاء الغطرسة وتكريس المبتذلين والجهلة، وتصديرهم لنا كصناع وقادة رأي عام، وتحت أوصاف مضللة ومستفزة من شاكلة: مشاهير ومؤثرون وصناع محتوى!
ورغم المعلومات القيمة والمعارف المثيرة التي تفاجئنا وتفرحنا، إلا أن القصص والحكايات الفارغة المصنوعة لتملأ فراغ اللحظة، أو تشغل الناس في هذه اللحظة عما هو أهم، والمعارك المجانية مدفوعة الثمن التي قد تسحب قدميك للتورط في أوحالها، كلها تملأك إيماناً مضاعفاً بقيمة رأيك والصمت والكتب ونعمة العقل، فالمتاجرة بالمشاكل والأزمات والاختلافات والغرائب أصبحت أقصر الطرق للانتشار وجمع المتابعين، كل ما عليك هو أن تطلق فضيحة مدوية، أو تروج كارثة لم تحدث، تتصرف بطريقة معاكسة لمعايير الأخلاق والمنطق والذوق الإنساني، تشتم إذا استطعت، أو تسب، وتعادي أحداً دون سبب، باختصار ما عليك سوى أن تتحول إلى آلة غبية لإنتاج الفضائح والمعارك والاختلافات!
نقلا عن "البيان"