"القلق العميق" هو من تردد أوباما حول سوريا

فيصل عباس
فيصل عباس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

بدا إعراب الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن "القلق العميق" تجاه الاتهامات الموجهة للجيش السوري باستخدام السلاح الكيماوي أمرا سورياليا!

وأنا هنا لا أقصد بأي شكل من الأشكال التقليل من فظاعة هذه الجريمة الكيماوية التي أودت بحياة 1400 ضحية بريئة من النساء والرجال والأطفال. كما أنني لا أهدف إلى التشكيك بمصداقية الرئيس الأمريكي الذي حذر في العام الماضي من أن استخدام السلاح الكيماوي في سوريا "خط أحمر" ، لكنه لم يبادر حتى الساعة الى القيام بأي عمل ردا على أخبار استخدام الكيماوي خلال الفترة الماضية، وهو ما يحقق به حاليا فريق تحقيق تابع للأمم المتحدة على الأرض في سوريا.

لكني أقول سوريالي لأن المشهد يبدو وكأن الإدارة الأمريكية تولي أهمية لنوع السلاح المستخدم في القتل أكثر من اهتمامها لجرائم القتل في حد ذاتها.

تشير التقارير إلى مصرع 1400 شخص من جراء هجوم بالأسلحة الكيماوية على الغوطة الشرقية والغربية، لكن عدد القتلى الذين سقطوا منذ بدء الأزمة السورية في عام 2011 قد تجاوز 100 ألف شخص بحسب إحصاءات الأمم المتحدة.
والسؤال للرئيس أوباما هو: ألا يشكل هذا العدد الكبير من الضحايا "مصدر قلق عميق"؟ أم ان الأمر ليس كذلك لأن هؤلاء الـ100 ألف شخص قتلوا بالأسلحة التقليدية، أو تم تعذيبهم حتى الموت في السجون، أو سحقتهم الدبابات أو قصفتهم طائرات النظام السوري؟

ألم يطلع الرئيس الأمريكي على أحدث إحصائية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي تقول إن عدد الأطفال من النازحين السوريين قد بلغ المليون؟!

أليس مصدرا باعثا على "القلق العميق" أن هؤلاء الأطفال لن ينالوا فرصة الحصول على حياة طبيعية، وأن معظمهم لن يحظى أبدا بأن يكون لديه أهل، أو منزل أو حتى مدينة تأويه؟

لكن، رغم كل شيء، فالمثل يقول "أن تأتي متأخرا أفضل من ألا تأتي أبدا". لكن حتى ذلك لا يمكن أن يقال بعد على الإدارة الأميركية، فإن البيت الأبيض ما زال، على ما يبدو، مترددا في اتخاذ موقف حازم يمكن أن يلزم الرئيس الأسد بأن يأخذ بجدية مسألة "الخطوط الحمر" الأمريكية، ونحن نقول "موقف حازم" من دون أن يعني ذلك بالضرورة إمكانية إرسال جنود على الأرض.

وفي الواقع فإن "القلق العميق" الحقيقي ينجم عن إمكانية أن يكون مستشارو الرئيس أوباما ما زالوا يأملون في التوصل الى صفقة سياسية تضمن تنحي الرئيس الأسد. فالأسد لن يرحل الى أي مكان، فهو يفضل أن يحرق سوريا بأكملها بكل من عليها (وهو ما يفعله الآن بجميع الأحوال)، قبل أن تطأ قدمه خطوة خارج حدودها كرئيس معزول.

أضف إلى ذلك أن الأسد ما زال يعتقد أنه يحظى بدعم إيران وحزب الله وروسيا، والذي يترجم تباعا بالمقاتلين والأسلحة على الأرض.

أما التهديد الفعلي الوحيد للأسد، فهو يأتي من الجيش السوري الحر، الذي حقق تقدما ملحوظا منذ منتصف عام 2012، بفضل الدعم المادي والعسكري والتكتيكي من جانب المملكة العربية السعودية.

لكن الجيش السوري الحر ما زال يعتمد بشكل كبير على مقاتلين غير محترفين (بالمقارنة مع الخبرة الطويلة لمقاتلي حزب الله على سبيل المثال)، وهو عليه أيضا أن يتعايش مع طغيان الدور المتزايد للمجموعات الجهادية عليه، وهي مجموعات سارعت الى ملء الفراغ الذي أحدثه غياب أي تدخل خارجي لإنهاء الوضع في سوريا.

وبطبيعة الحال، يستفيد نظام الأسد من التقسيم الحاصل في جهة المعارضة، ويعمل على تصويرهم جميعا بأنهم حفنة من المتطرفين، لذلك فلم تكن اتهامات التلفزيون السوري الرسمي للمعارضة بأنها هي من شنت الهجوم الكيماوي على الغوطة امرا مستغربا على الإطلاق.

فالإعلام الرسمي شن ومنذ اليوم الأول حملة دعائية ضد التظاهرات السلمية التي خرجت للشوارع في عام 2011 مطالبة بالإصلاح في سوريا. إلا أن الخلاصة هي أن لا شيء يفعله أو يقوله الأسد باستطاعته أن يغير الحقيقة بأن عائلته قد حكمت سوريا بشكل ديكتاتوري منذ ما يزيد عن 40 عاما، وأن ردة فعله العنيفة ضد تلك التظاهرات السلمية هي التي جرت البلاد الى ما هي عليه اليوم.

لذلك، إذا أراد الأمريكيون أن يحققوا أي تقدم هذه المرة، عليهم أن يفعلوا أكثر من مجرد الوعيد والتهديد!


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.