قصة أبو منذر المهجر من بيته في حمص

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

قبل شهر فبراير 2014، عاشت عائلة أبو منذر تفاصيل الحصار بكل دقائقه، كمئات العوائل الأخرى المحاصرة، فالجوع والضعف لم يستثنيا أحداً من تلك العوائل، ليضاف إليهما الموت الملاحق لكل محاصر بقذيقة أتت على حجارة الحصار مع كل حي فيها.

عائلة أبو منذر إحدى العوائل التي كتب لها النجاة من مئات آلاف القذائف التي قصفت بها المنطقة المحاصرة، ليخرج منها حياً مع عائلته بإصابة نالت من كف يده اليسرى بعد 650 يوماً من إحدى مراحل رحلته مع الثورة.

الرحلة التي بدأت في الأشهر الأولى من الثورة شاء القدر أن يكون منزله في نقاط التماس بين الأحياء الموالية والأحياء المعارضة، وبالتحديد في حي كرم الزيتون الشهير بالمجزرة الشنيعة التي ارتكبتها الشبيحة بقاطنيه، حيث اضطرته الظروف لنقل عائلته إلى منزل في عمق الحي، بعد أن استولت شبيحة الأحياء الموالية على منزله وبقية المنازل القريبة، وجعلت المتاريس وأكياس الرمل تظهر من نوافذه، وتتالى الهجمات على الحي، وتقع المجزرة الأولى والثانية في الأشهر الأولى من عام 2012، لتصبح خطة النظام أوضح بتهجير أهالي الأحياء المعارضة بعيداً عن حاضنته الشعبية.

نزحت عائلة أبو منذر إلى حي الخالدية بما عليها من ثياب فقط، فالجميع تخيل أن الأمر لن يدوم أكثر من أسبوع، وأقامت عائلة أبو منذر لدى إحدى عوائل الحي لمدة أسبوع، ثم بدأ أبو منذر بحثه عن عمل في دمشق بعيداً عن حمص التي عانت أكثر في صراعها مع النظام في تلك الفترة، ثلاثة أشهر استنفدت كل مدخرات عائلة أبو منذر دون أن يجد مصدراً يكسب منه قوته اليومي.

استقرار الوضع في أحياء حمص الداخلية بعد المعارك الأخيرة، وتقسيم المنطقة إلى مجموعة أحياء تحت سيطرة ثوار المدينة، وأخرى تحت يد النظام وأتباعه، ودخول المراقبين الدوليين إلى المدينة، جعلها مكاناً آمناً له ولعائلته، مكان يعرف فيه الكثير من سكانه، إضافة إلى توافر المساكن والمعونات.

وفي التاسع من يونيو 2012 تبدل الوضع، لتصبح المنطقة محاصرة بطوق عسكري كامل، وتتالى الحملات العسكرية، كما فشلت كل محاولة لكسر الحصار.

دمار هائل ونقص في أبسط حاجات الحياة الطبيعية لاحقت كل محاصر، لتبدأ حالات الموت بسبب أمراض سوء التغذية تنتشر، وتصبح الحشائش آخر ما تبقى للمحاصرين بعد عجز دولي عن إنقاذهم، لتنتهي الأمور إلى صفقة لم تكن أقل جورا من الموت جوعا بتغريب أهل المدينة عن مدينتهم.

عدة أسابيع قضاها منتظراً في منزل أقربائه قبل أن تخصص له غرفة في إحدى المدارس، ليقيم بها مع عائلته المكونة من ستة أطفال وزوجته، إضافة إلى ثلاثة من أولاد أخيه الذي استشهد داخل الحصار مع زوجته.

انتظار بأمل ضئيل كان يصبره على ما آلت إليه حاله بعض المساعدات التي أعانته في تغطية جزء من حاجته اليومية، وبعض التبرعات من أهل الخير غطت جزءاً آخر من تلك الحاجات.

الاتفاق الأخير الذي أتى برعاية دولية لإكمال تهجير ثوار المدينة من آخر معاقلهم في الأحياء المحاصرة، فتح بابا من الأمل للعودة إلى المنزل بعد خروج المنطقة من دائرة الحصار.

أبو منذر وصل إلى منزله بعد أن دفع المبالغ المالية والرشوة لأحد الضباط فقط ليطمئن على حال منزله، منزل يلخّص تعليق أبو منذز الرجل الستيني بعد عودته من تلك الزيارة حال المنطقة "ما تاركين حنفية مي".

فأسواق السنة التي افتتحت في الأحياء الموالية بعد سقوط كل حي من أحياء الثوار، والتي لم تكن إلا نسخة موسعة عما جرى في لبنان خلال الحرب الأهلية من سرقة لمناطق كاملة، وتجريد منازلها حتى من الكساء بحقد دفين رعته عصابات الأسد في الحالتين، غصت بمقتنيات كل البيوت.

يقول أبو منذر، الذي يعيش الآن في غرفة داخل مدرسة حولت إلى مركز للإيواء: "الحمد لله عايشين. صار عندي تلفزيون وبراد وغسالة.. الله كريم ما بيقطع حدا".

بتلك القناعة صمد أبو منذر في رحلته التي لم تنته بعد، ولا أحد يعرف كيف ستنتهي. أبو منذر واحد من مئات الآلاف ممن هجروا من أحيائهم برعاية دولية.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.