.
.
.
.

الآباء المؤسسون والأزمة المالية

بيتر سنجر

نشر في: آخر تحديث:

إن الأمريكيين مغرمون بالتحدث بنبرة التبجيل عن ''حكمة الآباء المؤسسين'' ــــ الرجال الذين كتبوا دستور الولايات المتحدة. ولكن الطريقة التي تمكن بها مجلس النواب من إرغام الحكومة ــــ أو على الأقل خدماتها غير الأساسية ــــ على التوقف تجعل الآباء المؤسسين يبدون كالحمقى.

إن السبب الأساسي وراء الأزمة المالية يكمن في إيمان الآباء المؤسسين بمبدأ الفصل بين السلطات. والحق أن هذا المبدأ كان دوماً مثيراً للجدال فلسفيا.

كان توماس هوبس يعارض في كتاباته خلال الحرب الأهلية الإنجليزية الفصل بين السلطات، انطلاقاً من إيمانه بأن وجود حكومة مركزية قوية وموحدة هو العامل الوحيد الكفيل بضمان السلام. وكان جون لوك من جانبه أكثر اهتماماً بالحد من السلطة الملكية، وكان ينظر إلى الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية باعتباره وسيلة لتحقيق هذه الغاية.

بعد كفاحهم ضد ما اعتبروه طغيان الملك جورج الثالث، كان الثوريون الأمريكيون راغبين في ضمان القضاء على إمكانية نشوء مثل هذا الطغيان في الدولة الجديدة التي كانوا معنيين بالتأسيس لها. ولتحقيق هذه الغاية، دونوا مبدأ الفصل بين السلطات في دستورها.

ونتيجة لهذا فإن رئيس الولايات المتحدة أو أي مسؤول وزاري لا يستطيع أن يلتحق بعضوية المجلس التشريعي، ولا يمكن عزل أي منهم من منصبه بأغلبية تشريعية. وفي الوقت نفسه، تسيطر السلطة التشريعية على الميزانية وقدرة الحكومة على الاقتراض. وبالطبع نستطيع أن نتبين هنا بوضوح إمكانية الوصول إلى طريق مسدود.

قد نتصور أن الآباء المؤسسين يستحقون الفضل في حقيقة مفادها أن الحكومة الأمريكية لم تتمكن قط من التحول إلى الاستبداد. ولكن الشيء نفسه من الممكن أن يُقال عن حكومة بريطانيا، برغم غياب الفصل الدستوري بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بل برغم غياب أي دستور مكتوب كليا. كما لم تتحول المستعمرات البريطانية السابقة مثل أستراليا ونيوزيلندا وكندا إلى أنظمة استبدادية. برغم أن رئيس الوزراء والمسؤولين الوزاريين في كل هذه البلدان، وعلى النقيض من الحال في الولايات المتحدة، أعضاء في الهيئة التشريعية، ولا تستطيع الحكومة أن تستمر في السلطة إلا إذا ظلت قادرة على الاحتفاظ بثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب في البرلمان (في حالة نيوزيلندا يتألف البرلمان من مجلس تشريعي وحيد). وإذا رفضت الهيئة التشريعية منح السلطة التنفيذية المال الذي تحتاج إليه لإدارة الحكومة، فإن الحكومة تسقط ويتم إحلال حكومة جديدة في محلها، ربما لتيسير الأعمال إلى أن يتم إجراء انتخابات مبكرة.

ونظراً للخلل الجوهري في الدستور الأمريكي، فإن الأزمة الحالية ليست بعيدة الاحتمال على الإطلاق، بل إن الغريب في الأمر هو أن مثل هذه المآزق بين الهيئتين التشريعية والتنفيذية لم تسفر عن نوبات أكثر تكراراً من الفوضى والاضطرابات. وهذا في حد ذاته يُعَد دليلاً على الحس السليم لدى أغلب المشرعين الأمريكيين، وعلى استعدادهم لتقديم التنازلات من أجل تجنب إلحاق أضرار خطيرة بالبلد الذي يخدمونه ــــ حتى الآن على الأقل.

إن إدخال أي تعديل دستوري في الولايات المتحدة يستلزم التصديق عليه من قِبَل ثلاثة أرباع الولايات الأمريكية، وهو ما يعني غياب أي احتمال واقعي في الوقت الحاضر لتغيير الدستور بالقدر الكافي للتغلب على الخلل الذي جعل اندلاع الأزمة الحالية ممكنا. ولكن هناك عامل مختلف يسهم في تأجيج الطبيعة الحزبية المفرطة التي تتسم بها سياسات الولايات المتحدة اليوم، ومن الممكن تغييره من دون الاضطرار إلى تعديل الدستور. وبوسعنا أن نفهم هذه المشكلة على أفضل نحو ممكن إذا سألنا أنفسنا لماذا لا يشعر عديد من أعضاء الحزب الجمهوري الذين صوتوا في مجلس النواب لصالح إجبار الحكومة على تعطيل عملها بالقلق من أن تتسبب تكتيكاتهم ــــ التي ستلحق الضرر بعديد من ناخبيهم بلا أدنى شك ــــ في تغذية ردود فعل انتخابية عكسية.

الإجابة عن هذا التساؤل هي أن الدوائر التي يتم انتخاب أعضاء مجلس النواب منها مقسمة بشكل مشوه إلى الحد الذي قد يعتبره المواطنون في أغلب الديمقراطيات الأخرى منافياً للعقل. ويحدث هذا لأن المسؤولية عن ترسيم حدود الدوائر الانتخابية تقع عموماً على عواتق المجالس التشريعية في الولايات، حيث يتمتع الحزب المسيطر بمطلق الحرية في رسمها لمصلحته. وفي أيامنا هذه، يسيطر الجمهوريون على أغلب المجالس التشريعية في الولايات، وهو ما يمكنهم من الفوز بالأغلبية بمقاعد مجلس النواب برغم افتقارهم إلى الدعم من غالبية الأمريكيين؛ ففي انتخابات الكونجرس في عام 2012 حصل مرشحو الحزب الديمقراطي على مستوى البلاد بالكامل على أصوات أعلى مما حصل عليه الجمهوريون بنحو 1.4 في المائة.

الواقع أن هذا التقسيم المشوه للدوائر الانتخابية في الولايات المتحدة يعني ما هو أكثر من مجرد الحقيقة الواضحة بأن مجلس النواب لا يمثل السكان ككل، فهو يعني أيضاً أن عديدا من النواب الحاليين ليسوا معرضين لخطر خسارة مقاعدهم في أي انتخابات. ويأتي الخطر الحقيقي ــــ وخاصة في الحزب الجمهوري ــــ من أولئك الأكثر ميلاً إلى اليمين من النواب الحاليين. فالظهور بمظهر المعتدل يعني خطر الهزيمة، ليس على يد الناخبين ككل، بل في مسابقات ترشيح الأعضاء عن الحزب الجمهوري، حيث يضمن لهم الإقبال الواسع من جانب الأعضاء الملتزمين الأكثر تشدداً وحماسة قدرة غير متناسبة على التحكم في النتائج.

قد يتخيل المرء أن أصحاب العقول الراجحة في كل من الحزبين قد تتوصل إلى تسوية استناداً إلى فهم مفاده أنه من مصلحة أمريكا أن يتم إنشاء لجنة محايدة تتولى رسم حدود عادلة لكل الدوائر الانتخابية في مجلس النواب. ولا يوجد مانع دستوري يحول دون تنفيذ هذا الترتيب. ولكن في البيئة الأمريكية الحالية التي تتسم بالاستقطاب السياسي الشديد، يكاد يكون التوصل إلى مثل هذا الترتيب غير مرجح بالقدر نفسه الذي يبدو معه من المستبعد إدخال تعديل دستوري يمنع مجلس النواب من حرمان الحكومة من الأموال التي تحتاج إليها كي تحكم.

*نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.