.
.
.
.

الطردية في علاقة الأمان الوظيفي بالأمن الوطني

زكي أبوالسعود

نشر في: آخر تحديث:

يعد الأمان الوظيفي ركناً لا غنى عنه في قدرة المنشأة مهما كانت طبيعتها أو ملكيتها على مواكبة التطور والمنافسة والإبداع من خلال سياسة مركزية هرمية لجذب الأفراد من ذوي المؤهلات والمهارات العالية، والاحتفاظ بهم ضمن قواها البشرية، وحثهم وتحفيزهم على الاستمرار في أداء متميز يسهم في تكون علاقة إخلاص للمنشأة، تؤدي إلى اندماج وثيق بين أهدافها وطموحاتهم الشخصية.


وفي الوقت نفسه فإن الأمان الوظيفي لا يعني أبداً الاحتفاظ أو التمسك بمن ليس لديه الكفاءة والقدرة على القيام بما هو مطلوب منه في مركزه الوظيفي إلى الأبد دون تغيير، أو التوقف عن القيام بأي تجديد في تشكيلة القوى البشرية، فضرر ذلك أكثر من منفعته، ليس على هؤلاء الأفراد، وإنما أيضاً على بقية العاملين. فوجود أشخاص غير مؤهلين لقيادة العمل، وعدم توفر الكوادر الفاعلة والنشيطة بين قواها البشرية سيتسبب في تعثر وفشل المنشأة أو الكيان وعجزه عن تحقيق الأهداف التي رسمها لنفسه. إلا أننا لا نستطيع أن نجرد الأمان الوظيفي من دوره الاجتماعي، ومساهمته في توفير الرضا النفسي لأفراد المجتمع عن أوضاعهم المعيشية. ومن هنا تكتسب الحماية القانونية للأمن الوظيفي مكانتها في ترسيخ الاستقرار الاجتماعي. وكلما ضعفت هذه الحماية كلما كانت عوامل عدم الاستقرار الاجتماعي في حالة نشطة ومفتوحة لجميع الاحتمالات التي تتأثر وتتفاعل مع بعضها بعضاً.


ولا تقتصر الحماية فقط على عقود العمل وجعلها خاضعة للتجديد كل عام، كما اقُترح في مجلس الشورى لتعديل المادة 55 من نظام العمل، بل تتسع ليدخل فيها الحماية من التفرقة في التعيين وفي الترقية وتولي المناصب القيادية لمن لديه المؤهل والكفاءة والملْكة الشخصية الضرورية لذلك.


قد يكون بعض منا طرفاً أو شاهداً على ما يحدث الآن في كثير من المنشآت العامة والخاصة من اختيار لقواها البشرية على أسس وقواعد لا تضع مصالح المنشأة في مقدمة هذا الاختيار، وإنما تتحكم فيها سياسة إقصائية نابعة من موروثات فئوية ضيقة ونظرات سلبية وموروثات ودوائر لاتنتمي للدولة الوطنية المعاصرة. كما أن ذلك يحدث أمام غياب واضح المعالم وصريح لحماية قانونية تواجه هذا النهج وتتصدى لهذه الممارسات بمجملها وبتفاصيلها الفردية المتكررة التي تتدفق كالشرر ليس لإضعاف مقومات الأمان الوظيفي، بل في تدميره. فبين الحين والآخر يرد إلى سمعنا حكايات عن شباب أنهوا تعليمهم العالي بتفوق سواء من جامعات محلية، أو من خارج الوطن وعادوا إلى الوطن يملأَهم الحماس والطموح لخدمته ورد الجميل له، تقدموا إلى وظائف شاغرة وهم مؤهلون لها، ولكنهم رُفضوا دون أن يُكشف لهم الأسباب التي بُنيت عليها مسببات الرفض. وكم من كادر متمكن أمضى زهرة عمره متفانياً في خدمة عمله، اختار التقاعد المبكر بعد أن عجز في إيقاف سياسة تهميشه، أو اختراق السقف الوظيفي المرسوم له، والصعود إلى درجة أعلى.


وتعد النساء أكثر الفئات السكانية عرضة لهذا النوع من التمييز، القادم أولاً من هيمنة العقلية الذكورية المحافظة التي تبغض اندماج المرأة في النشاط التنموي الوطني وتسعى لعرقلته، وثانياً حينما يكون انتماؤها الفئوي من خارج الدائرة الفئوية التي ينتمي إليها صاحب القرار في التوظيف، الذي لا يكترث للخسارة التي يسببها للوطن حينما يستبعد شابة أو شاباً لديهما المقومات والمؤهلات المطلوبة للقيام بهذا العمل أو تلك الوظيفة الشاغرة، ويمنحها لشخص أقل قدرة وتأهيلاً، وربما يكون أجنبياً.
إن سد أبواب العمل في مجالات محددة أمام فئة أو شريحة اجتماعية بعينها، وحرمان أفرادها من اختيار ما يرغبون العمل فيه، يشكل انتهاكاً لحق الإنسان في العمل، ويندرج ضمن مسببات عدم الاستقرار المعاشي والتملل الاجتماعي، ويتعارض مع مقومات الأمان الوظيفي. وفي المقابل فإن شيوع الأمن الوظيفي والمساواة بين جميع أفراد المجتمع في اختيار أعمالهم يسهم في تمسك الناس بالوضع القائم والحفاظ عليه، وهو ما يمكن اعتباره ركيزة من ركائز الأمن الوطني.

*نقلا عن الشرق

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.