.
.
.
.

الإسكان بالإمكان

علي الجحلي

نشر في: آخر تحديث:

مؤكد أن مشكلة الإسكان قابلة للحل، ولكننا نحتاج إلى تفهم المشكلة وتقييم حجمها وخطورتها وتطورها وأثرها في عناصر أخرى في حياة المواطن والبدائل المتاحة، ومن ضمنها التجارب العالمية.

يحتاج الحل السليم إلى منهجية واضحة وصدق النوايا في مواجهة المشكلة والقرار الصحيح الذي يأخذ في الاعتبار كل البدائل المؤثرة والتنفيذ المنضبط والحازم. الحلول المتاحة اليوم لا تحقق المطلوب خلال الإطار الزمني المتاح، بوجود عنصر مؤثر مهم وهو النمو السكاني الكبير في المملكة والتوقعات.

قرأت في الأسبوع الماضي عن تسليم وحدات لمواطنين في قرى ومراكز تبعد عن المدن الرئيسة مسافات لا تقل عن 100 كيلو متر. لا أعترض على عملية توازن التنمية هذه إذا كان هذا هو الهدف منها، لكن عمليات التسليم كانت بمعزل عن مخطط متكامل يخدم هذه المراكز أو المحافظات. عندما يتسلم المواطن الوحدة السكنية وتكون ابنته مضطرة إلى السفر يومياً للدراسة في الجامعة، فنحن حللنا مشكلة وأوجدنا مشكلة أخرى. يتضح حجم المشكلة عندما يضطر الوالد والأسرة بأكملها إلى الانتقال مع أبنائهم الذين لا تتوافر لهم فرص تعليمية عليا أو وظائف في أماكن سكنهم.

يزداد عمق المشكلة عندما نعلم أن بعض المواقع التي يتم توزيع الوحدات السكنية فيها لا تضم خدمات أخرى أكثر أهمية كالمستشفيات والمطارات، لنكتشف أن برامج الإسكان هذه موجهة للفئة الفقيرة، وهي مماثلة للمشاريع التي تنفذها الجمعيات الخيرية، وهي مشاريع مهمة ولكنها ليست الأساس الذي أنشئت من أجله الوزارة.

بل إن انتشار هذا المفهوم عن مشاريع الوزارة سيحد من جاذبية مشاريعها، ويبقي على المشكلة في المدن الكبيرة التي لا يستطيع المواطن فيها أن يحصل على قطعة أرض نظراً للغلاء الفاحش. هذه الحلول التي تبحث عن الجزئيات البسيطة، وتهمل المشكلات الرئيسة ستدفع بالوزارة إلى فقدان ثقة المواطن، ولن تسهم في حل المشكلة، بل قد تعمقها بمشاريع غير مرغوبة، وليراجع من لا يصدقني حالة الساكنين في ''القيرة'' ومجمعات مشابهة.

أثق بأن مسؤولي الوزارة اطلعوا على أساليب حل مشكلات الإسكان في دول مثل بلغاريا وسنغافورة والصين، حيث تبلغ نسبة تملك المواطنين في بلغاريا مثلاً 97 في المائة. هذه التجارب العالمية تمنح المخططين فرصة البحث عن الوسائل التي تحل المشكلة بعد قولبتها لما يناسب وضعنا في المملكة لمشكلة هي من أهم مشكلات المواطن الاقتصادية.

أول ما يجب أن تضعه الوزارة في اعتبارها هو أن مهمتها تتلخص في توفير أكبر نسبة من المساكن الملائمة للمواطنين المحتاجين الذين لا يستطيعون بإمكاناتهم الحالية التملك الفوري. أو بمعنى آخر رفع نسبة تملك المواطنين ''السكن الملائم''. ثم يجب أن تكون لدى الوزارة الصلاحية والقناعة بأن توفير السكن لا يعني بناء الوحدات السكنية من قبل الوزارة فقط. بل يجب أن تعمل الوزارة على دعم كل الوسائل المتوافرة والممكنة التي يمكن أن تحقق هدفها.

هذا يعني أن تعمل الوزارة على تقنين سوق الإقراض لغرض السكن، وتدعم توجه شركات القطاع الخاص لتأمين الإسكان الميسر لمنسوبيها من خلال الإعفاءات والدعم الحكومي والإقراض. كما يجب أن تشجع الوزارة الجهات الاستثمارية على دخول مجال إنشاء المساكن كمجال استثماري حيوي. وتعمل على تسهيل إجراءات الاستثمار في المجال.

على أن أهم عناصر هذه المنظومة هي الجهات المالية المسؤولة عن الإقراض لغرض السكن، وأهمها المصارف العاملة في المملكة التي تتنافس حالياً ضمن هامش ربح مرتفع جداً في مجال الإسكان وهو ما يؤثر في دخل الأسر ويدفع بالمقترضين إلى شراء وحدات قد لا تحقق متطلباتهم بعد خمس أو عشر سنوات.

العنصر الأهم الذي أطالب به في مجال الإقراض هو نسبة الأرباح على التمويل التي تعتمدها المصارف. هذه النسبة مجحفة للغاية ولم تعمل الوزارة على السيطرة عليها إلى الآن. إن إلزام المواطن بدفع مبالغ تعادل أو تقترب من القيمة الاسمية للعقار عند شرائه كأرباح للجهات المقرضة أمر مجحف للغاية.

تستطيع الوزارة أن تحدد نسبة تحمي المواطن بالدرجة الأولى، ومن ثم تحقق للمصرف ربحاً معقولاً. تعتمد النسب المعتمدة لدى المصارف حالياً أرقاماً تتجاوز في النهاية 80 في المائة من قيمة العقار الاسمية رغم المطالبة بمقدم يقارب 15 في المائة. أي أن المقترض يدفع ما يقارب 100 في المائة من قيمة العقار كأرباح وعمولة للمصرف. عند النظر إلى ذلك من ناحية رياضية بحتة، فإن المصرف يحقق ما يقارب 700 في المائة من عملية البيع الأساسية خلال فترة لا تتجاوز ثماني سنوات، إذا أخذنا في الاعتبار أن الأقساط يعاد تدويرها.

هنا تكمن الخطوة الأولى في حل مشكلة الإسكان بما يحقق أرباحا للمصارف ويحمي مستقبل المواطن، على أن من المهم أن تتبنى الوزارة سوقاً ثانوية لبيع قروض الإسكان لتمكين المواطن من التملك في أي مكان عند الحاجة إلى الانتقال من الوحدة التي اقترض لتملكها أو حاجته إلى وحدة أكبر، وتضع مواصفات ملزمة للمباني تحمي المواطن من الاستغلال المنتشر حالياً.

*نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.