الصناعة من الابتكار الى التجديد

عبدالله بن ربيعان
عبدالله بن ربيعان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

هل توقفت الصناعة في العالم؟ الإجابة المباشرة هي لا، فما زالت المصانع تنتج يومياً عشرات الآلاف من السلع المصنعة. ولكن ماذا عن الإجابة غير المباشرة؟ إنها تقول إن الصناعة توقفت فعلاً ومنذ بدايات النصف الثاني من القرن المنصرم، عن الخلق المبدع، واكتفت بتطوير القائم «Development». وبمعنى آخر فمنذ تصنيع أول سيارة، فكل جهد بعدها هو تطوير صناعة السيارات وتجديدها. والكلام ذاته يقال عن صناعة الطائرات، والقطارات، والتلفونات، والتلفزيونات، وغيرها من السلع الصناعية.

وبمتابعة تاريخ الصناعة، نجد أن منحنى الإنتاج الصناعي قفز من خط أفقي يقارب الصفر، إلى خط متصاعد خلال فترة الثورة الصناعية في الغرب، ليصبح بعدها أفقياً شبه ثابت، وهو دليل على الاستقرار في منحنى الصناعة بعد ذلك، وعدم الابتكار بمعنى الخلق. لذا فإن ما جاء عقب الثورة الصناعية التي شهدت ولادة معظم الصناعات التي نستخدمها حالياً، هو تقليد أو تطوير.

ومن هنا، فإن الدول التي دخلت مجال الصناعة في وقت ليس ببعيد، كالصين والهند وكوريا الجنوبية وغيرها، دخلت من باب التقليد لصناعات قائمة من دون خلق او ابتكار، لشيء لم يكن موجوداً. وهذا لا يعيب هذه الدول، فهي استطاعت أن تنجح مستفيدة من مزايا تملكها كالعمل الرخيص، وتصنيع مدخلات رخيصة للصناعة (أقل جودة من منتجات الغرب التي هي الأصل) واستطاعت أن تخلق سوقاً جيدة لها.

النقطة الأخرى غير التقليد، هي أن الصناعة حاليا أصبحت تعتمد بشدة على التجديد « Innovation»، أو التطوير الإبتكاري، وهذا السائد حالياً في صناعة التقنية والبرامج والاتصالات، ويكــفي التــدليل بمنـــتج «آي فـــون» لـــشركة «أبل»، وكيف أسقط شركة «نوكيا» من عليائها لتصارع حالياً من أجل البقاء.

مناسبة الكلام السابق هو ما تسمعه في السعودية عن وجوب التحول والتركيز على الصناعة، وهو حديث خبراء واقتصاديين ومثقفين. وبالــتأكيد فإن الحديث يتعلق بالتقليد لا بالتطوير الابتكاري، فنحن لم نصنع شيئاً بعد حتى نفكر بتطويره وتغيير مزاياه ووظائفه.

ولست أكتب هذه السطور للتشاؤم وتثبيط الهمم، لكن قبل التفكير في دخول الصناعة علينا أن نفكر في بعض النقاط، ونبحثها كفاية لنعلم هل يساعدنا الواقع على المضي قدماً فيها؟ أم أننا نحتاج لتعديل الكثير في واقعنا أولاً ليمكن أن نلج من باب الصناعة تالياً؟

والنقاط هي:

أولاً، إن الصناعة تعتمد وتقوم على التعليم، وعلى البحث العلمي المستمر، فهل يمكن لنا الرهان على تعليمنا؟ الإجابة لمن يعرف واقع تعليمنا، ومستوى البحوث في جامعاتنا، ومراكزنا البحثية هي لا.

ثانياً، إن منحنى كلفة التعلم Learning Curve في الصناعة، طويل جداً على مستوى البلد. وقد سبق الثورة الصناعية ما يربو على 200 سنة من التجارب والمحاولات والخطأ حتى انطلقت شرارتها الأولى، في حين كانت أقصر فترة لمنحنى التعلم في الصين، ووصلت إلى 60 سنة. ومنحنى التعلم، يعني المحاولة، والتقليد، والخطأ، والتطوير، والبحث، وتوجيه المجتمع تعليماً وممارسة وبحثاً في المجال المراد تطويره. وبافتراض أننا سنبدأ اليوم، فما هو الزمن الكافي لمنحنى التعلم عندنا على المستوى الجمعي لنكون دولة صناعية؟ أظنه في كل الحالات لن يقل عما احتاجت اليه بكين.

ثالثاً، إن الصناعة تتركز فيها المنافسة بشكل أكبر، وأكثر شراسة من بقية القطاعات الإنتاجية الأخرى. وافترض أننا انتجنا سيارة سعودية، فكيف سيكون الطلب عليها إذا ما أوقفتها بجانب السيارة اليابانية أو الأميركية أو الألمانية أو حتى الكورية؟ وسأترك الإجابة للقارئ.

وأجزم بأن استسهال دخول الصناعة باستيراد الآلة التي تنتج، والمادة الوسيطة والأولية للسلعة، واستقدام العامل الأجنبي ليعمل عليها، لا يعدو كونه تجميعاً لا يرقى الى مستوى «الصناعة».

وأختم بتجربة «غزال» كمثال لما في السطرين السابقين، وحتى لا نكرر نفس الأخطاء. فقبل أربع سنوات تقريباً، أعلنت جامعة الملك سعود - في إحدى شطحات إدارتها السابقة - عن نيتها إنتاج سيارة «غزال»، وقالت إنها صناعة سعودية 100 في المئة، وبكلفة تتراوح بين 35 و45 ألف ريال سعودي، وأن رجل الأعمال محمد العمودي ضخ بليون ريال للاستثمار مع الجامعة في هذا المشروع.

وفي هذا العام، وهو عام طرح «غزال» في السوق كما وعدت الجامعة من قبل، اكتشف الجميع أن الموضوع ليس أكثر من فقاعة إعلامية، وأن العمودي لم يستثمر ريالاً في المشروع، وأن أحد شبابنا المهندسين العاملين في مشروع «غزال» استقال من الفريق وافتتح محلاً لبيع «الهمبرغر»!

*نقلا عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.