.
.
.
.

الإنفاق الحكومي.. هل يستمر ضبط النفقات؟

عبد الوهاب سعيد أبو داهش

نشر في: آخر تحديث:

لمحت وزارة المالية في أكثر من مناسبة اإلى رغبتها في الحد من الإنفاق الحكومي بعد أن أنفقت خلال العشر سنوات الماضية مايقارب من 6 تريليونات ريال من خلال المعلن في ميزانياتها السنوية. ناهيك عن أن هناك نفقات إضافية شملت الإسكان ومشاريع الحرمين الشريفين وغيرها من خارج الموازنة يصعب تقديرها. ويبدو أنها عازمة على خفض الإنفاق خصوصا بعد أن عملت في السنوات الماضية على ترسية المشاريع الضخمة وسلطت الضوء على احتياجات البنية التحتية واحتياجات المواطنين.

فقد طبقت برنامج بدل بطالة من خلال برنامج حافز يكلف فاتورة الحكومة نحو 35 مليار ريال، وخصصت 250 مليارا لقطاع الاسكان، ناهيك عن رفعها لرأسمال صندوق التمية العقارية ورفع القرض السكني من 300 الف ريال الى 500 ألف ريال، وزادت مرتبات العاملين في الحكومة بنسبة 15%، وتبنت مشاريع في النقل العام تقترب من 100 مليار ريال لمدينة الرياض وحدها. وهي تتبني شبكة سكة حديد ستكلف الدولة مليارات الريالات حيث يصعب تقييم تكاليف هذ الشبكة حتى الان مما يفسر تأخر تنفيذ هذه الشبكة.

كما قامت الحكومة السعودية برفع رؤوس أموال الصناديق الحكومية وشجعتها على زيادة التمويل والمشاركة أيضا مع القطاع الخاص في المشاريع الضخمة مثل مشاريع الطاقة والمياه والموانئ والمطارات. وفي نفس السياق خصصت مبالغ ضخمة لقطاعي التعليم والصحة، فرفعت نفقات التعليم من نحو 138 مليار ريال في 2010 الى 210 مليارات في 2014 بنسبة 53%، و 76% لقطاع الصحة، وبنسبة 172% لقطاع النقل والاتصالات لنفس الفترة على التوالي.

وفي اعتقادي أن هناك صعوبة – رغم تلميح الحكومة ووجود مؤشرات تباطؤ الانفاق – بقدرة الحكومة على ضبط الانفاق، مالم تستمر في تبني أنظمة وتشريعات مع تطبيق برامج واضحة وقابلة للتنفيذ لاستيعاب هذه السيولة الضخمة. فتعثر المشاريع أو (تأخر) تنفيذها أصبح ظاهرة يتحدث عنها المسؤول قبل المواطن، ومع ذلك لم نسمع بحلول لهذه الظاهرة.

ورغم أن تحديد المشاكل والظواهر الاقتصادية قد نوقشت في كثير من المؤتمرات المحلية وورش العمل، فإن الحلول المقدمة لم تصل الى التطلعات التي يصبو اليها الجميع. فلم تعد زيادة النفقات حلاً لمشاكلنا بقدر ماهو القدرة على تبني أنظمة وتشريعات تتسم بالشفافية والقدرة على التنفيذ. فعلى سبيل المثال، هناك أموال ضخمة رصدت لقطاع الاسكان ولصندوق التنمية العقاري الا أن نتائجه على أرض الواقع تبدو ضعيفة. لقد تم اقرار نظام الرهن العقاري الذي نعلق عليه آمالا كبيرة في فك اختناق قطاع الاسكان اذا واكبه قدرة وزارة الاسكان في تبني استراتيجتها وتحويلها الى شراكة فعلية بين القطاع العام والخاص، خصوصا وأن لدى الوزارة الأموال التي تنقص القطاع الخاص مما يجعل الشراكة بينهما هو حلا أمثل في تفعيل وتعظيم العوائد من هذه الأموال.

انظر كيف استطاعت وزارة العمل بتبنيها برامج وخطط واضحة في حلحلة سوق العمل مع قدرة واضحة في فتح فرص عمل للشباب والشابات، واستفادتها من المخصصات والدعم الحكومي لخفض معدلات البطالة. إن وضع أمثلة لوزارة الاسكان والعمل لتوضيح الرؤية الخاصة بأن الأنظمة والتشريعات القابلة للتنفيذ هي الحل الأول لمشاكلنا وليست الأموال فقط. وهذه الأنظمة والتشريعات تحتاج الى جهد كبير في تنفيذها على أرض الواقع مع تفعيل الشراكة مع القطاع الخاص على أنه يجب التركيز على ديمومتها واستمرارها، فالنجاح المؤقت يعتبر فشلا اذا افتقد لزخم المتابعة في التنفيذ والتجديد في الطرح والبرامج.

إن أمام الحكومة مهمات ضخمة في السنوات القادمة منها تحسين بيئة الأعمال الخاصة وتشجيع المنشآت الصغيرة والمتوسطة مع دفع برامج التمويل والاسكان بصورة أفضل، فوزارة الاسكان لوحدها لن يكون بمقدورها حل مسألة الاسكان، فحله الرئيس يكمن في أنظمة الرهن العقاري التي تتداخل فيه عدة وزارات (المالية، العدل، التجارة، الاسكان، مؤسسة النقد، البلديات) مما يجعل التنسيق ودفعه الى الأمام أحد أهم التحديات التي تواجه الحكومة. وهناك تحديات استراتيجة ضخمة تواجه الحكومة السعودية في تبني الطاقة البديلة وتخفيف الاعتماد على النفط، مع تقوية وضعها الأمني والدفاعي في منطقة اتسمت باستمرا الاضطرابات والمحن وتوالي الأزمات منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.

*نقلا عن صحيفة الرياض.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.