.
.
.
.

البتكوين.. والتطور المحتمل في المستقبل

صلاح بن فهد الشلهوب

نشر في: آخر تحديث:

نوع جديد من النقود التي يمكن أن تمثل تطورا في أسلوب المبادلات عالميا ظهر ما يسمى بالبتكوين Bitcoin، وهو أسلوب جديد للمبادلات يعتمد على استخدام التقنية في إصدار العملات واستخدامها كوسيط بدلا من الأوراق النقدية المعروفة، وهذا الأمر إذا ما تحقق على نطاق واسع فإنه سيحدث ثورة في عالم النقد وتغييرا كبيرا في وظائف البنوك.

البتكوين كما جاء في الموسوعة العالمية ويكيبيديا يعرف بأنه: "عملة إلكترونية يمكن مقارنتها بالعملات الأخرى مثل الدولار أو اليورو، لكن مع عدة فوارق أساسية، من أبرزها أن هذه العملة هي عملة إلكترونية بشكل كامل تتداول عبر الإنترنت فقط من دون وجود فيزيائي لها. كما تختلف عن العملات التقليدية بعدم وجود هيئة تنظيمية مركزية تقف خلفها، لكن يمكن استخدامها كأي عملة أخرى للشراء عبر الإنترنت أو حتى تحويلها إلى العملات التقليدية". وقد بدأت الفكرة ببحث علمي في عام 2008م، ثم بدأت تدخل حيز التداول في عام 2009م، وهذه العملة لا مركزية إذ إنها لا تتبع إلى جهة مركزية أو حكومية أو هيئة تنظيمية وهي تقوم على تعامل الند للند دون تدخل جهات أخرى مثل البنوك وغير ذلك، وقد بدأت بسعر لا يتجاوز بضعة دولارات، وقد وصلت قيمتها إلى ما يفوق الألف دولار بحسب موقع ويكبيديا.

هذه العملة لا تحظى حاليا باعتراف دولي واسع إلا في بعض السلع والبضائع، والحكومة الألمانية اعترفت بها كنوع من أنواع النقود الإلكترونية، إضافة إلى أن مدينة فانكوفر الكندية لديها أول جهاز صراف آلي لهذه العملة الإلكترونية.

الحقيقة أن تطور النقود في التاريخ الإنساني شهد تحولات كبيرة فبعد أن كانت المبادلات سلعية، اعتمد الإنسان على المعدن النفيس كالذهب والفضة في إصدار العملات ومن ثم المبادلات المالية، ثم تطورت هذه المبادلات إلى أن وصلنا إلى الورق النقدي الذي نحمله اليوم، ويشهد هذا الورق النقدي تطورا في طرق استخدامه إلى أن تحول إلى نقود بلاستيكية، وقد يتحول قريبا بشكل واسع إلى نقود رقمية كما هو حاصل في كثير من المبادلات التي تتم من خلال الإنترنت. ولكن هذه التجربة إذا ما نجحت على نطاق واسع ــــ أي البتكوين ــــ فإنها ستغير من طبيعة النظام البنكي في العالم، فالسياسة النقدية التي تتحكم في وجود النقد وحجمه الذي تفرضه البنوك لن يكون موجودا في عالم البتكوين، كما أن المبادلات السلعية ودخول البنوك طرف مستفيد في مثل هذه المعاملات لن يكون واقعا، إضافة إلى أن كثيرا من الشركات لن تجد نفسها مضطرة لعمليات التحوط من تقلبات النقد مستقبلا إذا ما كان العالم كله يستخدم عملة واحدة.

من منظور الاقتصاد الإسلامي فإنه وللأسف يبقى الاقتصاد الإسلامي بوضعه الحالي عاجزا عن المشاركة في وضع حلول وخيارات، فضلا عن تطوير النشاط الاقتصادي العالمي في ظل أنه مضطر إلى التعامل مع ما هو موجود، ودوره فقط تصحيح جزئي لما يمكن تصحيحه، والقبول اضطرارا بالمتغيرات العالمية في الاقتصاد التي لا تبالي في كثير من الأحيان بوجود ضوابط أخلاقية، فضلا عن التزامها بالمعايير الشرعية، وواقع الورق النقدي يشهد إشكالات جوهرية انعكست على آراء الفقهاء في توصيفه، فالعملات التي تقاس على الذهب والفضة في أحكامها الفقهية ــــ وهذا الرأي السائد لأهل العلم ــــ للأسف أن كثيرا من دول العالم اليوم تمارس من خلالها مجموعة من الإجراءات التي تخدم مصلحتها دون أي اعتبار لمصالح الدول الأخرى مثل عمليات طبع النقود التي ينتج عنها التضخم، حيث تستفيد هذه الدول من هذه الكمية غير المغطاة بشراء السلع الأساسية في ظل أن قيمتها الشرائية تنقص لدى المدخرين، وهذا ما عزز ارتفاع الأسعار بما يضر بكثير من الدول النامية، ولذلك كان الحل في نظر بعض الاقتصاديين المسلمين هو العودة إلى استخدام المعدن النفيس الذهب والفضة، ولكن في ظل قلة استخدامها عالميا على نطاق واسع، وندرة هذه المادة التي يمكن أن يكون في إعادة استخدامها كعملة نقدية ما يولد مشكلات اقتصادية جديدة خصوصا بعد استخدام المعدن في بعض الصناعات، وحرص بعض الحكومات على تخزينه بدلا من تداوله.

فالخلاصة أن العالم اليوم قد يشهد تطورا في طرق المبادلات يحدث ثورة عالمية في طرقها، والبتكوين قد تكون تجربة إذا ما نجحت فلن يجد كثير من الناس الحاجة إلى وجود البنوك كوسيط لها في كثير من المعاملات والمبادلات، وستعزز من مفهوم أن العالم أصبح قرية صغيرة.

ملاحظة: أرجو ألا يفهم من المقال هذا أنه دعوة للتعامل أو الاستثمار في البتكوين، إذ إنها لم تحظ بعد بقبول حقيقي معتبر عالميا، والدخول فيها قد يكون مخاطرة كبيرة وقد يكون سببا لخسائر فادحة للبعض، إضافة إلى أنه يمكن أن تتعرض للمخاطر الإلكترونية كغيرها من المواقع التي قد تؤدي إلى التلاعب فيها.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.