إنتاج الصخر النفطي ينتظر دوره

عثمان الخويطر
عثمان الخويطر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

لم أرَ في حياتي دعاية وترويجاً انطلت على الكثيرين مثل هذه التي تدور حول مستقبل إنتاج النفط الصخري، وأنه سيقلب أمور إمدادات الطاقة رأساً على عقب. ومع ذلك فقد قلنا "مجاملة"، إنه فعلاً إضافة مهمة للإنتاج الأمريكي ولكن الذي حدد توقيته هو مستوى الأسعار التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، ولا شيء غير ذلك.

والذي سيحدد مستقبله هي أيضاً الأسعار. فكلما ارتفع سعر البرميل على المستوى الحالي زادت فرص إنتاج المزيد من النفط الصخري. وسيأتي الدور على إنتاج الصخر النفطي الأكثر تكلفة، وذلك عندما تتجاوز الأسعار حدود 150 دولاراً. ويجب ألا نخلط بين النفط الصخري والصخر النفطي فهما مختلفان، وإن اشتركا في كلمة "الصخر". ونظراً لعموم محدودية إنتاج الصخري، فلن يكون ذا تأثير كبير في الطلب العالمي الذي يزيد على 90 مليون برميل.

ولن يستطيع تعويض نضوب إنتاج النفط التقليدي الذي يمد العالم اليوم بأكثر من 90 في المائة من الطلب العالمي ويفقد سنوياً أكثر من ثلاثة ملايين برميل، نتيجة للنضوب الطبيعي. ويتوقع بعض المحللين، وكذلك إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وصول ذروة إنتاج النفط الصخري قبل 2020. ولكن هذا لا يعني توقف الإنتاج، خصوصاً إذا استمر ارتفاع أسعار النفط، كما هو متوقع.

وسيأتي دور إنتاج الصخر النفطي، وهو موضوع حديثنا في هذا المقال، عاجلاً أم آجلاً بشرطه الذي ذكرناه، وهو ارتفاع الأسعار النفطية. ورُبّ سائل يقول: كيف يكون إنتاج النفط الصخري أقل تكلفة من الصخر النفطي وهو القابع في بطن الأرض على مسافة تزيد على خمسة آلاف قدم، ويحتاج إلى حفر عميق وعملية تكسير مكلِفة، بينما الصخر النفطي يتواجد على سطح الأرض أو قريب من السطح وتكون تكلفته أكبر؟ وهذا هو الواقع. مع أن كل ما نحتاج إليه لإنتاج الصخر النفطي هو تجميع الصخور التي تحمل المادة العضوية "تسمى كيروجين" وتكوِّن أقل من نسبة 10 في المائة من الصخور الحاملة لها ثم يتم نقلها من مكان وجودها إلى مرافق التكسير "أو الجرش".

ومن ثم يتم تسخين المخلوط عند درجة حرارة عالية تبلغ 700 درجة، بمعزل عن الأكسجين، لتتحول المادة العضوية إلى الحالة النفطية السائلة. وعملية إنتاج الصخر النفطي، بجميع مراحلها، تستهلك كميات كبيرة من الطاقة وكثيراً من المياه. فإنتاج برميل واحد من النفط يحتاج إلى ثلاثة أو أربعة براميل ماء. ولكن الذي يلفت النظر هو تأثير العملية السلبي المباشر على البيئة. حيث إن عملية إنتاج الصخر النفطي تحيل منطقة الإنتاج، وهي براري واسعة، من منظر طبيعي جميل وجذاب إلى منظر كئيب تنفر منه الأنفس البشرية ويؤذي البصر.

ومن المستحيل إعادته إلى وضعه الأصلي الطبيعي، ويصبح غير قابل للحياة النباتية والحيوانية والبشرية. إضافة إلى تلوث الهواء المحيط بمناطق الإنتاج بكميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون المضِرِّ بالصحة العامة. وعلى الرغم من شح المعلومات المتوافرة عن التكلفة الحقيقية للإنتاج، إلا أنها تراوح بين 100 و 130 دولاراً للبرميل، حسب الموقع وكثافة الطبقات الحاملة للمادة العضوية. وبما أن إنتاج الصخر النفطي لا يتطلب وجود أجهزة حفر ولا عمليات تكسير هيدرولوكي، وهي خصوصية أمريكية، فإنه من الممكن إنتاجه الآن في أي دولة إذا أثبتت الدراسات الاقتصادية جدواها وتوافر رأس المال المطلوب.

ولعل من أسباب ارتفاع تكلفته كون نسبة وجود المادة العضوية في تلك الصخور قليلة. حيث تفيد بعض المعلومات أنه يلزم معالجة عشرات الأطنان من الصخور لإنتاج برميل واحد. ومن معوقات الإنتاج من الصخر النفطي، ضرورة التأكد من ثبات الأسعار عند مستوى مربح خلال السنوات المقبلة، قبل أن يتم إنشاء مرافق الإنتاج المكلِفة، حتى لا تتعرض العملية للإيقاف وتكبد الكثير من الخسائر.

وفي أمريكا، وهي المتقدمة في مجال الإنتاج، تقع الصخور الحاملة لمادة الكيروجين العضوية على أراضٍ فيدرالية وتحتاج إلى ترخيص خاص من الحكومة وسن القوانين اللازمة، وهو ما لم يحدث حتى الآن. وأيضا من الممكن إشعال قطع الصخور رأساً واستخدامها كوقود في محطات توليد الطاقة الكهربائية، كما هي الحال الآن في أستونيا. أما الصخر النفطي الذي يوجد على أعماق كبيرة ويتعذر نقله إلى سطح الأرض فيكون إنتاجه بطريقة التسخين المستمر في أماكنه بتمرير تيار كهربائي أو أي مصدر حراري، ويترك لبضع سنوات ليتحول إلى سائل ثم يتم ضخه.

وتدل الدراسات الأولية على وجود كميات كبيرة من احتياطي الصخر النفطي في كثير من الدول، خارج أمريكا، مثل أستراليا وكندا والأردن وأستونيا والبرازيل والصين. والدول الثلاث الأخيرة تنتج الآن كميات قليلة من الصخر النفطي لا يتعدى مجموعها ستة آلاف برميل في اليوم. ولا نعلم إن كان هذا الإنتاج اقتصاديا أم أنه جزء من برامج بحثية، وهو الأرجح.

ولدى أمريكا وحدها احتياطي ما بين تريليون إلى تريليوني برميل، معظمها في جبال وسهول كولورادو. وقد كانت شركة رويال داتش شل العملاقة، إلى عهد قريب، تجري تجارب وبحوثا علمية منذ أكثر من عشر سنوات على اقتصاديات استخراج الصخر النفطي في أمريكا. ولكنها انسحبت أخيراً من المشروع، مع شركات أخرى، لعدم جدواه اقتصادياً في الوقت الحاضر. وهذا يدل على أن إنتاج الصخر النفطي عند الأسعار العالمية الحالية ليس له مردود اقتصادي. ومن المؤكد أن إنتاجه سيصبح اقتصادياً عندما تقترب الأسعار من 150 دولاراً للبرميل.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.