.
.
.
.

أزمة الغاز الروسية الأوكرانية ..إلى أين ؟

د. صالح بكر الطيار

نشر في: آخر تحديث:

يترقب العالم بمخاوف واضحة وتوجس شديد، ما قد تفرزه أزمة الغاز الروسية الأوكرانية من مفاجآت لا تبشر بخير، فالوضع أشبه ما يكون بقنبلة موقوتة لا يستبعد انفجارها في أي لحظة، فالأمر أكبر حجماً وأعظم خطراً من أن يُنظر إليه كخلاف تجاري بين دولتين، وتتمحور المشكلة في أن الغاز روسي المنشأ، بينما تمثل أوكرانيا معبر الترانزيت الرئيسي لنقله إلى دول أوروبية عديدة ، أهمها (رومانيا والمجر وبولندا) علماً بأن 80% من تلك الإمدادات يتم نقلها عبر الممر الأوكراني إلى أوروبا، فإذا بالأزمة المتفاقمة تشعر أوروبا بأمرٍ قادم وخطر داهم، وبنظرة عقلانية يتضح ضرورة عرض المعطيات، التي قد تعين على حلِّ هذه المعادلة الصعبة، أو تسهم في تحجيم أخطارها المتوقعة، فالحديث عن أوكرانيا يقودنا إلى مقارنة أوضاعها قبل وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة السوفيتية برمتها، فقد كانت أوكرانيا قبل الانهيار تعتمد في احتياجاتها على غاز روسيا السوفيتية، بأسعار رمزية أو شبه مجانية، ولكن بعد الانهيار أصبحت تحصل على رسوم الترانزيت، لتتحول دولة المعبر التي كانت من ضمن المنظومة السوفيتية، إلى دولة تُعامل تجارياً كبقية الدول الأوروبية.

ونظراً لهذا التحول ارتفع سعر الغاز فيها إلى القيمة المتعامل بها والمتعارف عليها عالمياً، لتطالبها روسيا بسداد ديونها تجاه مؤسسة (غاز بروم) بعد اتهام أوكرانيا بسرقة مخصصات الغاز الموجهة إلى أوروبا , فيما تنفي أوكرانيا هذا الاتهام، وبسبب تردي العلاقات الأزلية بين بلد المنشأ وبلد الممر، أطلت ملامح الأزمة واشتعل فتيل الفتنة لدرجة أن المراقبين يتوقعون تحول الأزمة إلى صدام عسكري مسلح، ولا أدل على ذلك من الاضطرابات التي تشهدها أوكرانيا حالياً، المتمثلة في الانقلاب الذي حدث، والأسطول الحربي الروسي المتأهب، وسعادة الإدارة الأمريكية بسقوط الحكومة الأولى، واستلام الحكومة الجديدة لزمام الأمر في البلاد، كما تنذر تلك التوقعات بميلاد معسكرين متنافرين، أحدهما بقيادة روسيا وحلفائها من الذين ينتهجون خطاً معادياً لأمريكا التي تقود المعسكر الثاني وبجانبها حليفتها إسرائيل، لتتدخل دول أوروبية عديدة تحاول إقناع أوكرانيا , بتقديم تنازلات سياسية لروسيا أهمها التخلي عن مطالبة أوكرانيا بالانضمام إلى حلف الناتو , مقابل أن تحظى بمعاملة روسية خاصة في مجال المحروقات، بينما تخشى الدول الشرقية الأوروبية، من محاولة انتزاع روسيا لتنازلات سياسية أوروبية على حساب أوكرانيا، فحدوث مثل هذه التنازلات يعني بالضرورة ضعف الجبهة الشرقية الأوروبية في مواجهة روسيا.

أوكرانيا ما زالت محصورة ضمن النطاق الاقتصادي السياسي، وهذا لا يعني استبعاد احتمال الصدام العسكري المسلح إذا أرادت الإدارة الأمريكية الحالية (جس نبض) روسيا، من منطلق إرادة ورغبة الموالين للغرب , فمن الواضح أن النظام الأوكراني القديم كما تراه أمريكا لا يعبأ بمصلحة شعبه، ولا أيضاً مصلحة الشعب الروسي ولا حتى شعوب المنطقة، رغم أنهم يرتبطون تاريخياً وجغرافياً ومصلحياً مع بعضهم البعض , وتلك نتيجة طبيعية وحتمية لانهيار المنظومة السوفيتية , وما خلفته من قضايا معلقة تنتظر الحلول المناسبة، فهل يقدم هذا الحراك الجديد العلاج الناجع ؟ ربما ! ولكن الغيوم الضبابية ما زالت مخيمة على الأجواء، نتمنى أن تنقشع على خير .

* نقلا عن صحيفة "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.