التجار والأسعار
زيد من الناس تخرّج من كلية طب الأسنان بامتياز، وقرر فتح عيادة وتوظيف من يحتاج إليه من مساعدين. وأخوه عمرو تخرّج من كلية التجارة تخصص محاسبة ومالية، وقرر فتح مركز كبير لبيع الأدوات الكهربائية والإلكترونية.
وسئل باحث يحضر للدكتوراه في حقل «التسويق» الدكتور زيد عن كيفية تحديد أسعار خدماته، وكان جواب طبيب الأسنان: أضع الأسعار التي تغطي جميع تكاليف تجهيزات العيادة المكلفة وجميع تكاليف من يعملون معي من أجور مباشرة وتأمين ومستحقات أخرى، ثم أضيف نسبة معينة.
ثم توجه الباحث نفسه إلى عمرو شقيق الدكتور زيد الذي فتح مركزاً لبيع الأدوات الكهربائية والإلكترونية، وسأله السؤال نفسه عن كيفية تحديد أسعار السلع التي يبيع. وكان الجواب شبه متطابق مع جواب الدكتور زيد، إذ قال عمرو: أحسب جميع تكاليف ما أبيع ثم أضيف نسبة معينة.
ولنفرض جدلاً أن الدكتور زيد قال يكفيه (25 في المئة) ولا يضيف أكثر منها. ولنفرض أن أخاه عمرو، وبسبب كبر حجم مبيعاته من الأدوات الكهربائية والإلكترونية أجاب بأنه لا يضيف أكثر من (10 في المئة).
والسؤال لماذا (25 في المئة) بالنسبة إلى طبيب الأسنان؟ ولماذا لا تكون (50 في المئة) أو (60 في المئة) أو أقل أو أكثر؟
ولماذا بالنسبة إلى بائع الأدوات الكهربائية والإلكترونية (10 في المئة)؟ ولماذا لا تكون (12 في المئة) أو (15 في المئة) أو أقل أو أكثر؟
ولكن، وتحت مجهر التحليل الاقتصادي الموضوعي، إن الذي يحدد الأسعار التي يضعها كل بائع سلعة وكل مقدم خدمة، بصرف النظر عن درجة جشعه أو درجة قناعته، هو أمران لا ثالث لهما:
أولاً: الأسعار التي يطلبها المنافسون. فبالنسبة إلى طبيب الأسنان، أسعار الخدمات المماثلة التي يقدمها أطباء أسنان آخرون مقاربون في كفاءة وجودة تقديمها لما يقدمه هو. أما في ما يخص بائع الأدوات الكهربائية والإلكترونية، فهو أيضاً لا يمكن أن يضع أسعاره بمعزل عن الأسعار التي يضعها أو يحددها منافسوه.
ثانياً: قدرة واستعداد طالب خدمات طبيب الأسنان على دفع الأسعار التي يضعها. وقدرة واستعداد عملاء بائع الأدوات على دفع الأسعار التي حددها. وحتى لو كان بائع الأدوات الكهربائية والإلكترونية هو الوحيد، وكان شقيقه زيد هو طبيب الأسنان الخاص الوحيد، ولم يكن لأي منهما منافس، لما استطاع أي منهما فرض أي سعر يروق له بطريقة عشوائية، لأنه يعلم من تجاربه السابقة أن هناك سعراً معيناً يدر عليه أكبر قدر ممكن من الأرباح، فإذا زاد السعر عن هذا المستوى أدت الزيادة إلى انخفاض في كمية البيع، بحيث يكون النقص في مجموع الدخل الإجمالي متجاوزاً مقدار ما تضيفه زيادة الأسعار إلى الدخل الكلي، ومحققاً بالتالي انخفاضاً في صافي الدخل.
صحيح أن الأسعار لا يمكن أن تكون باستمرار أقل من التكاليف، ولكن متى زادت الأسعار على التكاليف فإن الذي يحدد مستواها هو منافسة الباعة الآخرين ودخل المشترين. (وما طبيب الأسنان أو أي مهني آخر إلا بائع لخدماته).
وختاماً، لا يحدد الأسعار لا الجشع ولا القناعة. وإنما تحددها الكميات المعروضة والكميات المطلوبة آنياً، والمتوقع عرضها والمتوقع طلبها في المستقبل أياً كانت درجة المنافسة أو الاحتكار.
فالمحتكر لا يحدد أسعاره عشوائياً وبمعزل عن قدرة واستعداد من يبيع لهم. أما من يواجه منافسة محمومة فيقبل بالأسعار السارية، وإن كانت مجزية استمر، وإن كانت لا تغطي كامل تكاليفه خرج من السوق.
*نقلا عن الحياة