السعودية والنفط.. هل يغدو أكبر المصدرين مستورداً؟
لقد كان اكتشاف النفط -بلا شك- تحولاً كبيراً في تاريخ البشرية؛ نظراً لما أتاحه من استخدامات متعددة، غيرت حياة الإنسان، الذي كان قبل ذلك يعتمد على مصادر بدائية؛ للحصول على الطاقة الضرورية لحياته اليومية على قلة احتياجاتها، التي لم تتعدّ إعداد الطعام وإنارة الظلام.
وقد كان التحول الكبير باكتشاف الكهرباء المتولدة من النفط بشكل رئيس، وما تبعه من تحول الطاقة لتكون المدخل الرئيس للصناعة والزراعة والإنتاج، وكذلك استخدام النفط في وسائل المواصلات الحديثة: كالسيارات، والقطارات، والطائرات، مما أتاح اختصاراً لمسافات، والمحافظة على الوقت وغير ذلك من استخدامات الطاقة، التي غيرت حياة الإنسان.
لا بد أن يعرف الناس أن النفط هو من المصادر القابلة للنفاد عاجلاً أو آجلاً، وأن الأجيال القادمة لها نصيب في هذه الثروة، يجب علينا ألا نحرمهم منه بالهدر والتبذير
وإضافةً إلى ذلك، فإن اكتشاف النفط قد أحدث في بلادنا نقلة اقتصادية وعمرانية وحضارية، بما وفره من موارد وفرص عمل ساهمت في كل ما نشهده من عمران وتقدم في كافة المجالات، خاصة وأن ولاة الأمر في وطننا وفقهم الله لتسخير هذه الموارد في إعمار البلاد وخدمة العباد، فعمت بلادنا نهضة شاملة في كل المجالات: العمرانية، والاقتصادية، والتعليمية، والاجتماعية، تعاظمت بعد ارتفاع أسعار النفط ومعدلات الإنتاج وتوطين أرامكو السعودية، وتزايد الطلب على النفط ومشتقاته في كافة بلاد العالم.
لكن الملاحظ، أن ذلك صاحبه العديد من مظاهر الإسراف والتبذير، وسوء الاستخدام، ليس فقط في الموارد المالية والاقتصادية والدخل الذي ترتب على استحداث آلاف الوظائف وفرص العمل، بل تعدى ذلك للهدر والتبذير في استخدام الطاقة نفسها، وظهور عادات وممارسات سلبية، سواء بشكل مباشر كما هو الحال في الاستخدام غير الرشيد للسيارات والكهرباء في البيوت، والشوارع والمؤسسات والمصانع، وما نراه من ترك مصابيح الشوارع مضاءة طوال النهار، وكذلك مباني المدارس والدوائر التي تترك مصابيحها ومكيفاتها عاملة ليلا نهاراً، بل وبعض المنازل أيضاً التي تترك كذلك حتى في غياب أصحابها وسفرهم أحياناً؛ مما يحتم تعديل الاتجاهات والممارسات السلوكية، بما يحد من هذا السلوك ويجنبنا أخطاءه وأضراره.
فلا بد أن يعرف الناس أن النفط هو من المصادر القابلة للنفاد عاجلاً أو آجلاً، وأن الأجيال القادمة لها نصيب في هذه الثروة، يجب علينا ألا نحرمهم منه بالهدر والتبذير وسوء الاستخدام، ولعل ما تم الإفصاح عنه مؤخراً من إحصائيات توضح أنه إذا استمر معدل استخدام الطاقة على نفس المعدلات الحالية؛ فإننا سنكون بعد عقدين أو أكثر قليلاً بلداً مستورداً للطاقة، لا مصدراً لها كما هو حالنا اليوم، وسنفقد الموارد التي نوظفها في التنمية والبناء والإعمار، بل في توفير حاجاتنا الحياتية اليومية.
وهو إنذار يدعونا لنتعظ بما تواجهه الدول الشقيقة والصديقة، التي تعاني من نفاد مواردها المالية -على قلتها- في مواجهة تكاليف استيراد حاجتها من النفط ومشتقاته، بالإضافة إلى ما يوجبه هذا الإنذار على الجهات المختصة من ضرورة العمل على الاهتمام بمصادر الطاقة البديلة، مثل: الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والزيت الصخري، وغيرها، والحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها هي أن كل حملات التوعية وكل الإجراءات التي يمكن اتخاذها، لا يمكن أن تحقق الغاية منها إلا إذا تولدت لدى المواطن نفسه قناعة أنه هو المستفيد الأول إن أحسن، والمتضرر الأكبر -لا سمح الله- إن أساء، وأن قيامه بدوره هو جزء من حق الانتماء للوطن والوفاء لعطاء هذا الوطن، الذي ينبغي ألا يقابل إلا بالولاء والعرفان والوفاء... فهل نحن فاعلون؟؟
*نقلا عن اليوم
https://www.alyaum.com/News/art/145389.html