العراق الورقة المؤثرة حالياً في مسار سوق النفط
توالت عدة متغيرات خلال السنوات العشر التي مضت، ورغم أهمية تلك المتغيرات، إلا أنني أجد في مقدمة تلك التحولات استمرار تأثر مناطق الإنتاج في العالم بفعل توترات جيوسياسية، والتي هي متواصلة بوتيرة ثابتة، وهو ما يوفّر أجواء القلق والمخاوف في سوق النفط حول أمن الإمدادات، هذا الأمر ظل يرفع مستويات الأسعار ويدعم بقاءها فوق مستوى المائة دولار خلال السنوات الأربع الماضية، ويبدو أن السوق النفطية لا تفتقر إلى إجراءات جيوسياسية سواء خارج منطقة الشرق الأوسط في فنزويلا ونيجيريا، أو في الداخل في السودان، اليمن، ليبيا، إيران، وأخيرا العراق، ورغم قدرة السوق الفائقة في التعامل مع هذه المتغيرات، والتي تعود بالدرجة الأولى للنجاح الكبير في تطوير إنتاج جديد في الولايات المتحدة الأميركية، ورفع القدرات الإنتاجية بشكل فاعل في عدد من البلدان مثل السعودية، والكويت والإمارات.
ولكن مع الوقت تضاءل حجم الإنتاج الفائض الذي يمكن أن يستخدم في تغطية النقص المفاجئ في الإمدادات في السوق النفطية وانحسر ربما إلى دولة بعينها، وهي المملكة العربية السعودية والتي تنتج حاليا 9.7 مليون برميل يوميا ولها مجال في رفع إنتاجها في سوق النفط، وهو ما يقلق السوق، خصوصا عندما يتطلب الأمر مثلاً كيف يمكن تغطية نقص كبير كأن تتوقف مبيعات روسيا من النفط إلى الأسواق والتي تقف حول 5 ملايين برميل يوميا تقريبا، او توقف مبيعات العراق من النفط الخام الي الاسواق والتي تدور حول 2.6 مليون برميل يوميا، هذا الامر يدعم مستويات عالية للأسعار بناء على المخاوف فقط، ويدعم توازن السوق النفطية.
ويجب الا نغفل متابعة الاسواق والمراقبين لخطط رفع القدرات الإنتاجية وتضمينها في توقعات الصناعة الطويلة الأجل، والحديث يدور حول خطط العديد من الدول، وفي مقدمتها العراق والتي تستهدف ارقاماً عالية تؤثر على توازن السوق اذا ما تحققت، ولكن يعتقد المراقبون في ضوء التوترات الحالية وحالة عدم الاستقرار في العراق، ان الخطط المستقبلية ستتأجل، وهو ما يعني توازنا في السوق يتحقق خلال العام الحالي والسنوات القادمة، مصدره تأجل خطط رفع القدرات الإنتاجية كنتيجة فعلية للتصعيد السياسي والذي يؤدي إلى اعادة رسم الاولويات، وطبعا هذه الأجواء تصب في صالح البلدان المنتجة بالنسبة لتصريف نفطها أو الحصول على أسعار مستحقة عالية نسبياً، وكذلك في ظل حالة تذبذب الإنتاج يبدأ الحديث عما إذا أوبك ستدعو إلى اجتماع فوري لمناقشة الأوضاع واتخاذ ما يلزم.
طبعا اوبك من خلال تصريحات امينها العام السيد البدري تراقب الاوضاع عن قرب، ولكن في حقيقة الأمر لا يوجد ما يدعو للقلق مع استمرار صادرات العراق عند 2.6 مليون برميل يومياً، بل هناك انباء في السوق ان العراق قد رفع مبيعاته لتصل الى 2.75 مليون برميل يوميا من الجنوب، وبالتالي هناك زيادة ولا يوجد نقص.
كذلك فإن التوقعات الحديثة التي صدرت عن الصناعة تدعو الى ضرورة رفع اوبك لإنتاجها خلال النصف الثاني من العام، حيث تقدر وكالة الطاقة الدولية متوسط انتاج الاوبك المطلوب عند 30.9 مليون برميل يوميا، بينما تقدر سكرتارية الاوبك انتاج الاوبك المطلوب عند 30.3 مليون برميل يوميا، مقابل مقدار انتاج الاوبك الحالي الذي هو أقل من 30 مليون برميل يومياً خلال عام 2014، وبالتالي هناك حاجة لرفع الانتاج بمقدار 300 الف برميل يوميا على الاقل، وعموما توقعات وكالة الطاقة الدولية تحمل في طياتها شيئا من المبالغة، حيث تتوقع زيادة كبيرة في استهلاك البلدان الصناعية، خصوصا أميركا، وهو توقع يشوبه التفاؤل، وفي الجملة فإن الفائدة من هذه التوقعات هي توازن السوق ودعم الاسعار، كما اعتقد ان وكالة الطاقة الدولية قد تستخدم المخزون الاستراتيجي من النفط الخام اذا ما احتاج الامر لاستقرار الاسعار في السوق.
العراق بلد مهم في السوق النفطية ومقدار انتاجه النفطي حسب تقديرات السوق يقف عند 3.3 مليون برميل يوميا (الطاقة الإنتاجية 3.6 مليون برميل يوميا باعتبار 300 الف برميل يوميا، والتي لم يتم انتاجها من الشمال منذ شهر مارس 2014 بسبب استهداف خط الأنابيب)، وغالب الإنتاج والتصدير هو من الجنوب، وهو يقف عند 2.6 مليون برميل يوميا، كما ان استهلاك المصافي عند 610 الف برميل يومياً، وتوليد الكهرباء 120 الف برميل يومياً، وتشير التحاليل إلى أن صادرات العراق لن تتأثر إلا إذا امتدت الاحداث الى الجنوب، وهو امر مستبعد في الوقت الحالي، ولكن ما يحرك السوق هو القلق من انقطاع امدادات السوق في ضوء عدم القدرة على تأمين كامل الانتاج، هذا ما يدعم مستويات الاسعار الى نهاية العام على الاقل، ويبقى مستوى الاسعار الذي تصل اليه يعتمد على حجم التعطيل، وأنا أستبعد ان يكون التأثير أكثر مما هو عليه حالياً، وبالتالي فإن اسعار النفط ستظل بالنسبة لنفط خام برنت ما بين 110 - 120 دولار.
هناك عدة سيناريوهات يتم تداولها في توقعات الصناعة حالياً لتعبر عن الحالة العراقية وهي تشمل التالي:
1- التوصل إلى حكومة وطنية ترضي كافة الاطراف وتحقق الاستقرار لتعود معها الاسعار الى ما قبل الاحداث الحالية.
2- استمرار حالة التوترات في العراق، ولكن عدم امتدادها الى مناطق أخرى، وهنا يتوقع دعم الأسعار لتدور حول 120 دولارا للبرميل.
3- وصول التوترات الأمنية الى بغداد العاصمة، وهو ما يعني ارتفاع الاسعار لتدور حول 130 دولارا للبرميل.
4- وصول التوترات الأمنية الى الجنوب وتأثر شبكة نقل الانتاج، وهو امر مستبعد، خصوصا مع وجود تعزيزات امنية أميركية في الخليج العربي، مما يعني ارتفاع الأسعار التي قد تصل الى 150 دولارا للبرميل بناء على حجم التأثير في الإنتاج والتصدير الى الأسواق في العالم.
* محمد الشطي، محلل نفطي ومدير مكتب الرئيس التنفيذي في مؤسسة البترول الكويتية