.
.
.
.

العدّ العكسي لتصحيح أسعار النفط

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

ارتفع معدل سعر سلة «أوبك» للنفوط الخام خلال الأسبوع الماضي الى نحو 50-54 دولاراً للبرميل، مقارنة بنحو 40-45 دولاراً خلال كانون الثاني (يناير). فهل سيستمر هذا الارتفاع، والى أي مستوى؟ وهل ممكن أن تتراجع الأسعار مرة أخرى، والى أي مستوى؟

ما هي أسباب التصحيح، بعد أن انخفض سعر النفط نحو 60 في المئة منذ حزيران (يونيو) 2014 عن سعره خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث استقرّ على معدل 100-115 دولاراً؟

أدى انخفاض الأسعار الى تقلّص إنتاج النفوط غير التقليدية ذات التكاليف الباهظة من خارج «أوبك»، مثل انخفاض إنتاج النفط الصخري في أميركا الشمالية، وانكماش معدلات الاستثمار في البترول الصخري. وتشير معلومات «أوبك» الى أن الإنتاج من خارج المنظّمة سيزداد نحو 850 ألف برميل يومياً هذه السنة، مقارنة بالزيادات السابقة التي بلغت نحو 1.27مليون برميل يومياً. كما اضطرت كبرى شركات النفط الى تقليص استثماراتها وتسريح موظّفيها، منها شركة «هاليبرتون» للخدمات البترولية التي سرحت ما بين 6.5-8 في المئة من العاملين في وحداتها في مختلف أنحاء العالم، ما سيؤثر سلباً في نموّ الصناعة عندما تستقر الأسعار.

كان الهدف من حملة «أوبك» لخفض الأسعار، مشاركة الدول غير الأعضاء تحمّل مسؤولية التخمة في الأسواق، وضرورة مشاركتها في خفض الإنتاج. ورفضت كل الدول من خارج المنظمة، المساهمة في خفض الإنتاج متعذّرة بأثره السلبي في صناعتها وريعها النفطيين. وفضّلت بدلاً من ذلك، أن تتحمّل «أوبك» هذه المسؤولية لوحدها، فنشبت حرب سعرية خلال الأشهر الماضية، حققت أهداف الدول المنتجة الكبرى في المنظمة، على رغم الخسائر المالية التي لحقت بهذه الدول. فكانت مواجهة لا بد منها بين «أوبك» والدول المنتجة الكبرى غير الأعضاء فيهـــا (روسيا وأميركا)، كان ضرورياً خوضها عاجـــلاً أم آجلاً لوضع حدّ للمنافسة التي تمكّن النفــوط غيــــر التقليدية الباهظة الكلفة في الإنتاج، أن تسـتفيد من الأسعار العالية من دون تحمّل مسؤولية توازن العرض والطلب في الأسواق.

هل هي آخر مواجهة من نوعها، أم يجب أن نتوقع مواجهات أخرى؟ فتقنية النفط الصخري أصبحت معروفة، وإنتاج هذا النفط غير التقليدي هو في مراحله الأولى، إذ لا يزال الإنتاج في أميركا الشمالية يلبّي الاستهلاك في الولايات المتحدة وكندا فقط. ولم تنتشر رقعة الإنتاج الى بقية دول العالم، حيث احتياطات النفط الصخري. كما لم يتم بعد تزويد الأسواق بهذه الإمدادات، لأسباب تتعلق بالقوانين الأميركية التي تمنع تصدير النفط الخام، باستثناء كميات محددة وقليلة، مثل المكثفات ونفط ولاية ألاسكا والمنتجات البترولية. وتعمل جهات ومصالح عدة فـــي الولايات المتحدة على تغيير قوانين المنع هذه لتسمح بالصادرات. من ثم، نتوقع مواجهات عدة مستقبلاً لا تقل أهمية عن المواجهة الحالية، مع توسّع الإنتاج عالمياً وبدء الصادرات الضخمة.

بالنسبة الى الأسعار، تدلّ ظاهرة تدهورها الى تجاوب سريع في ارتفاع الاستهلاك، ما يعني إمكان ردّ فعل سريع أيضاً لانخفاض الطلب، في حال ازدياد الأسعار مستقبلاً. من ثم، يتوقّع أن يؤدي التأني هذه المرة في الدفع الى ارتفاع الأسعار. ويجب ألا ننسى هنا، أن كبار المسؤولين في الدول المنتجة والمستهلكة، كانوا يشجّعون المعدّل السعري 100-115 دولاراً حتى في نهاية 2013 على أنه «سعر مريح لكل من المنتجين والمستهلكين». لكن انقلبت الصورة فجأة منتصف عام 2014، لتظهر خطورة الأسعار العالية على اقتصادات الأسواق للمنتجين التقليديين، وميزاتها لمنتجي النفوط غير التقليدية لأنها ساعدت هذه الصناعة الفتية في تحقيق أرباح عالية ساعدتها على النمو بسرعة. فمن المهم لتفادي مواجهات أخرى قريباً، أن تحافط دول النفوط التقليدية على سعر «معقول» للنفط الخام، ليس فقط لكبح صناعة النفوط غير التقليدية، بل لكي لا ينخفض الطلب على النفط بسبب الارتفاع غير الطبيعي للأسعار.

تعتبر المواجهة بين منتجي النفط التقليدي وغير التقليدي، بداية مرحلة جديدة من نوعها في الصناعة النفطية العالمية، بل هي الأولى من نوعها. ومن المحتمل جداً قيام مواجهات أصعب في المستقبل القريب، بخاصة كلما ازداد إنتاج النفوط غير التقليدية الباهظة التكاليف (الصخرية أو المحصورة أو الثقيلة أو من أعماق البحار العميقة)، وتوسّع إنتاج هذه النفوط الى العشرات من الدول، مع تحسّن تقنيات هذه الصناعة الحديثة وانخفاض تكاليفها، وهي أمور لا مفر منها مع الوقت .

الاستنتاج الممكن، هو أن مسيرة تصحيح الأسعار قد تستمر من دون العودة الى المعدلات السابقة. لكن يجب التوقع خلال فترة النقاهة، تذبذباً في الأسعار، أي أن المسيرة لن تكون آحادية الاتجاه نحو الصعود فقط. هذا في المدى القريب حيث يجب أن نتوقّع إمدادات كبيرة من المخزون النفطي في الأسواق قريباً، بعد أن ارتفــــعت مستويـاتــه في شكل ملحوظ في الأسابيع الأخيرة. فقد أعلن معهد البترول الأميركي عن ارتفـــاع المخزون في الولايات المتحدة نحو 1.6 مليون برميل الأسبوع الماضي، مع احتمال زيادتــه الى مستوى قياسي خلال العام الحالي، ما سيشكّل ضغوطاً مستمرة على الأسعار.

أما في المستقبل، فقد أظهرت المواجهة الحالية سرعة تقلّص إنتاج النفوط غير التقليدية لتدهور الأسعار، ما يعني أنها ستستطيع زيادة الإنتاج مرة أخرى، في حال ارتفاع الأسعار، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، أي أن هناك ضرورة لتوخّي الحذر في طريقة إدارة اقتصاد الدول النفطية، وعدم الاعتماد على الفرضيات السابقة القائلة إن الأسعار في ارتفاع مستمر. فنحن في مرحلة جديدة من نوعها، حيث أن هناك نفوطاً مشابهة للنفط التقليدي يمكن أن تنافسه في أسواقه، ما قد يؤدي الى خضّات سعرية متعددة.

سجّلــت الأسعار حدودها الدنيا بعد مطلع السنــة. لكن من غير الواضح ما هو المستوى الأعلـــى الذي ستصــله خــلال النصف الثاني، وما هي حدة الذبذبات السعرية في الفترة المقبلة.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.