.
.
.
.

ماذا بعد النتائج غير المشجّعة لشركات أردنيّة؟

زياد الدباس

نشر في: آخر تحديث:

تؤدي الشركات المـــساهمة العامة دوراً مهماً في توسيع قاعدة الملكية الشــعبية لوسائل الإنتاج، وتوزيع الثروة بين أكبر قاعدة من المواطنين، وتعزيز أداء الاقتصاد الوطني، وتوظيف مدخرات شريحة مهمة من المـستثمرين يصعب عليها إنشاء المشاريع وإدارتها بنفسها، لافتقارها الى الخبرة ورأس المال والقدرة على تحمّل الأخطار، فتكون الشركات المساهمة العامة المدرجة في أسواق المال، فرصة مهمة لهؤلاء لتوظيف أموالهم وتحقيق عائدات سنوية، تساهم في الحفاظ على القوة الشرائية لأموالهم وتحميها من سلبيات التضخم، ما يساهم في رفع مستوى معيشة أعداد كبيرة من المواطنين، وفي تنمية الوعي الاستثماري والمالي للمستثمرين.

لكن نتائج الشركات المساهمة العامة المدرجة في سوق عمّان المالية عن فترة الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، والتي تعطي مؤشرات مهمة إلى نتائجها عن العام الماضي بأكمله، وعلى رغم عدم اكتمال إفصاح كل الشركات المساهمة العامة وعددها 215 شركة، تبين أن نحو 74 شركة مساهمة عامة تعرّضت لخسائر، معظمها تشغيلي ومتراكم منذ سنوات، فيما حققت نحو ٣٥ شركة ربحاً لا يتجاوز ثلاثة في المئة من رأس المال، على رغم مضيّ سنوات طويلة على تأسيسها.

ولا شك في أن العديد من العوامل ساهم في تعرّض شركات مساهمة أردنية لخسائر، أو تحقيقها عائدات استثمارية متواضعة جداً لا تحقق أهداف المستثمرين، ويأتي في مقدّم هذه العوامل، نقص الخبرة لدى إدارات بعض الشركات، وعدم استباقها للأخطار المختلفة التي تتعرض لها الشركات المساهمة العامة، وفي مقدّمها أخطار الائتمان والسوق والسيولة والعمليات، فلم تلجأ إلى تعديل استراتيجياتها مع تغيّر الظروف الاقتصادية والمالية والسياسية خلال السنوات الماضية، خصوصاً في ضوء التأثيرات السلبية للأزمة المالية العالمية و»الربيع العربي».

وتفتقر دراسات الجدوى الاقتصادية للعديد من الشركات، خصوصاً تلك التي تأسست خلال طفرة السوق عام 2005، إلى الدقة والحوكمة والرقابة والشفافية والإفصاح، ناهيك عن هيمنة رؤساء مجالس إدارات الكثير منها على القرارات الاستراتيجية نتيجة امتلاكهم حصصاً مهمة من رأس المال. وتعاني السوق ازدحاماً بشركات تعمل في القطاعات نفسها، مثل التأمين والعقار والخدمات المالية، بما يفوق الطاقة الاستيعابية للسوق ويؤدي إلى تنافس غير صحي.

والخسائر التي تعرّضت لها شركات عديدة خلال سنوات، أدت إلى تراجع كبير في أسعارها السوقية، فأصبحت أسهمها تتداول في السوق بالقروش بدلاً من الدنانير، ويصل عدد هذه الشركات إلى 82 شركة، وهو أمر أدى إلى خسارة نسبة مهمة من المستثمرين أجزاءً كبيرة من ثرواتهم بدلاً من تنميتها، خصوصاً بعد توقف الشركات منذ سنوات عن توزيع أي أرباح على مساهميها. وتسبّبت الخسائر المتراكمة بتراجع كبير في قيمة حقوق مساهمي هذه الشركات.

في المقابل، حقّق بعض الشركات أرباحاً قياسية خلال العام الماضي، ما يعكس كفاءة إداراتها، وانعكس تحسّن هذا الأداء على توزيعاتها السنوية وأسعار أسهمها في السوق، فحقّق مساهموها عائدات استثمارية متميزة مصدرها التوزيعات النقدية أو الأسهم المجانية، تضاف إليها الأرباح الرأسمالية الناتجة من ارتفاع أسعار أسهم هذه الشركات في السوق، إذ بلغ العائد على رأس المال (صافي الأرباح مقسوماً على رأس المال) لدى «شركة الأسواق الحرة»، مثلاً، ومن أعمالها التشغيلية، 160 في المئة، ولدى «فيلادلفيا لصناعة الأدوية» 84 في المئة، وهي النسبة نفسها التي حققتها شركة «البوتاس». وبلغ العائد على رأس مال «شركة الإقبال للاستثمار» 68 في المئة. وسجل العائد على رأس المال لدى 15 شركة ضعيفة الأداء واحداً في المئة فقط، ولدى ثمانية شركات اثنين في المئة، فيما تعرضت 83 شركة لخسائر تشغيلية جرت تغطيتها من الاحتياطات المختلفة.

وما من مبادرات أو حلول حكومية تُذكر تساهم في الحفاظ على ما تبقى من أموال المساهمين والدائنين، فيوقف الهدر والنزيف المستمر لمقدرات الاقتصاد الوطني من جانب الشركات الضعيفة، والخسائر الكبيرة التي تعرّض لها عدد كبير من الشركات المساهمة، أدت إلى تراجع الثقة في الاستثمار في الشركات المساهمة العامة، فبرز تأثيرها السلبي في أداء الاقتصاد الوطني. ومن تداعيات تراجع الثقة، توقّف سوق الإصدار الأولي حيث تطرح أسهم شركات مساهمة عامة جديدة منذ فترة تزيد عن ست سنوات، في وقت تنشط هذه السوق على المستوى الإقليمي أو العالمي، خصوصاً خلال العام الماضي.

ومن الاقتراحات المهمة لحلّ المشاكل، الاندماج بين شركات تعمل في قطاع واحد، وهو أحد الحلول المهمة للتعثّر الذي قد يؤدي إلى الإفلاس إذا تفاقمت الخسائر في شكل كبير، إذ يفرض بعض القوانين إعلان إفلاس الشركات في حال تعرّضها لخسائر تفوق ثلثي رأس مالها. ومعلوم أن الاندماج يخفّض التكاليف، ويوفر الجهود، ويعزز قيمة رأس المال العامل، ويساهم في اختيار الكفاءات، ويعزز الحوكمة والمنافسة، ما يزيد الثقة في الشركة الدامجة من جانب الدائنين والمصارف والزبائن، ويحميها من الإفلاس. وثمة أهمية للإسراع في إصدار قانون للإفلاس والتصفية والتعثّر التجاري لحماية الشركات الواعدة، إلى جانب أهمية سرعة تصفية الشركات المتعثرة التي يصعب حل مشاكلها.

* نقلاً عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.