كي يستفيد لبنان من ثروته النفطية

خليل زهر
خليل زهر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

اكتشفت لجنة الطاقة النيابية اللبنانية خلال إعدادها ورشة عمل حول الثروة النفطية اللبنانية، وعقدت في الشهر الأخير من العام الماضي، تراجع اهتمام شركات التنقيب العالمية الى حد كبير. وعزت اللجنة هذا التـراجع الى التباطؤ من قبل الحكومة والمعنيين في استكمال الاجراءات نحو اطلاق مناقصة التلزيم التي لا تزال معلقة في انتظار اقرار المراسيم والقوانين المطلوبة لذلك وهي: مرسوم توزيع المنطقة الاقتصادية البحرية الى بلوكات، ومشروع العقد الخاص بالاستكشاف والإنتاج بين الدولة والشركات المتخصصة، ونظام الضرائب الخاص بالموارد الهايدروكربونية الذي سيحدد طبيعة العائدات المالية ونسبها للخزينة اللبنانية التي على أساسها سيتم استدراج العروض. كما عزت أوساط اللجنة تراجع الاهتمام الى انخفاض أسعار النفط خلال النصف الثاني من العام الماضي، فضلاً عن قيام اسرائيل باقتراح مشروع مشترك مع قبرص واليونان بمد خط مشترك للغاز بينهم، ما قد يؤدي الى عزل لبنان عن منظومة شبكة نقل الغاز في المنطقة.

ومـــع أهمية هذه العوامل، فإن هناك عوامل أخرى أكثر جـذرية وأساسية تقف عائقاً أمام الاستغلال المجــــدي وطنياً لهذه الثروة على رغم جاذبيتها الجيولوجية وحجمها الذي قد يتجاوز، بناء على بعض التــــقديرات، 120 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، فضلاً عن سوائل الغاز والنفط. وتنبع أهمية هذه العوامل الى حد كبير من المدى الزمني الطويل لعقود الانتاج الذي قد يتجاوز 30 سنة. وهو أجل تعاقدي لا خبرة سابقة للبنان به، يتطلب التعاقد على مداه توفر عوامل متعددة لنجاحه أبرزها الاستقرار الأمني والسياسي، والبيئة القانونية وفعالية التشريع، ما يعزز الثقة بعدم تغير شروط التعاقد وبحماية حقوق المتعاقدين، وانتظام الادارة المالية والاقتصادية لضمان الاستفادة من عائدات هذه الثروة في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام. كما أن الاستفادة من هذه الثروة وعدم هدرها يتطلبان حداً أدنى من الشفافية وبيئة تمنع للفساد.

بالنسبة الى توفير البيئة القانونية والتشريعية المستقرة، فإن نجاح مجلس النواب في التجديد لنفسه مخالفاً روح الدستور، وفشله في معظم مهماته الدستورية الأخرى ومنها عدم اصدار قانون انتخابي عصري، واجراء الانتخابات في مواعيدها، وتركه سدة الرئاسة الأولى شاغرة، وفشله في اعتماد موازنة عامة للدولة لما يزيد على عقد ونصف العقد من الزمن، جميعها معطيات لا تعزز الثقة بالقدرة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار التشريعي المطلوب. بينما مجلس الوزراء، وهو صورة مصغرة عن مجلس النواب، غير قادر على اتخاذ القرارات المطلوبة بسبب اعتماده آليات تفرضها المحاصصة بين قوى سياسية لا تلتقي إلا على القاسم الأدنى المشترك بينها.

أما انتظام الادارة المالية والاقتصادية فهو شرط على قدر من الأهمية حيث أن من قبيل المغامرة الخاسرة، الشروع في عملية انتاج الغاز والنفط قبل التمكن من إصدار الموازنات العامة للدولة وحساباتها الختامية في مواعيدها المحددة دستورياً. يضاف الى ذلك اعتماد وتنفيذ الاصلاحات المالية والاقتصادية والمؤسسية التي اقترحتها المنظمات الدولية، بخاصة توصيات صندوق النقد الدولي المتعلقة باستثمار هذه الموارد والهادفة الى ضمان المحافظة على عائداتها وعدم هدرها، من خلال بناء قدرات الجهات المعنية وتطوير القوانين ذات العلاقة واعتماد الآليات الكفوءة في توظيف هذه الثروة لخدمة المصلحة العامة وتحقيق العدالة بين الأجيال.

وقد يكون العامل الأهم الذي سيؤدي الى هدر هذه الثروة، ضعف الشفافية وانتشار الفساد في الادارة العامة، حيث احتل لبنان المرتبة 127 من أصل 177 دولة في «مؤشر مدركات الفساد في القطاع العام» الصادر من منظمة الشفافية الدولية عام 2013. ويذكر في هذا السياق أن الدنمارك جاءت في المرتبة الأولى والصومال في المرتبة الأخيرة. اما النروج، وهي الدولة التي تساعد لبنان في تنفيذ برنامج «النفط من أجل التنمية» فقد احتلت المرتبة الخامسة.

ويشار في هذا السياق الى أن النروج تعتبر نموذجاً عالمياً يحتذى به في كفاءة ادارة الموارد النفطية واستغلالها، وبالتالي فإن التعاون معها بغرض الاستفادة من تجاربها هو قرار صائب للحكومة يعزز الثقة في ادارتها لهذا الملف. لكن نجاح التجربة اللبنانية يتطلب تماثلاً أعلى مع النروج خصوصاً في ما يتعلق بالحرص على الشفافية وحسن سير المؤسسات.

ترفع المعوقات المشار اليها أعلاه منسوب التحدي أمام الدولة اللبنانية، بخاصة في ضوء حاجة لبنان الى المباشرة في استغلال موارده الهايدروكربونية في أقرب وقت ممكن. كما أن حجم هذه الموارد المتوسط من جهة، ومعطيات سوق الطاقة العالمية والإقليمية بما تشهده من تحولات جذرية وتحديات من جهة أخرى، تدفع باتجاه الإسراع في استغلال هذه الموارد. لكن اهمال هذه العوامل والقفز فوقها يجب تجنبه علماً أنه لن يشكل عائقاً أمام بعض شركات النفط العالمية في دخول السوق اللبنانية ما دام في إمكانها الحصول على عائد مناسب على استثماراتها ينسجم مع مستوى المخاطر التي تشكلها تلك المعوقات. لكن ذلك سيأتي على حساب المصلحة الوطنية المتمثلة بالعائد لخزينة الدولة اللبنانية، فضلاً عن أن القفز فوق هذه المعوقات سيؤدي الى تهميش جدوى هذه الثروة وجعلها عاملاً من عوامل عدم الاستقرار في المستقبل. بينما الإصرار على توفير شروط نجاحها وتعظيم فائدتها الوطنية قد يشكل حافزاً للقوى السياسية، التي تصر على المباشرة في استثمار هذه الموارد متجاهلة تلك المحاذير، لتركيز اهتمامها على رفع المعوقات وتوفير البيئة السياسية والمؤسسية والمالية المطلوبة.

* نقلا عن صحيفة "الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.