.
.
.
.

تطوير نفط القطب الشمالي يستهدف إطالة أمد أمن الطاقة في أميركا

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

اقترحت دراسة قدّمها «المجلس الوطني للبترول» الأميركي إلى وزير الطاقة إرنست مونيز، آخر آذار (مارس) الماضي، أن تسمح الولايات المتحدة بالتنقيب عن النفط في مياه القطب الشمالي التابعة لها، بدءاً من العقد الجاري من الزمن، للتعويض عن الانخفاض المتوقّع في إنتاجية حقول النفط المحصور نهاية العقد المقبل. ويعود الهدف من الاقتراح، إلى أن عمليات الاكتشاف والتطوير والإنتاج الخاصة بالنفط في مياه القطب، تتطلّب وقتاً أطول مقارنة بالنفط الصخري.

وتؤكد الدراسة، وفق تقرير لنشرة «بتروستراتيجي» التي تصدر في باريس، أن الهدف من البدء الآن «هو إطالة فترة أمن الطاقة الأميركي لعقدي الثلاثينات والأربعينات المقبلين». فتطوير صناعة البترول يأخذ وقتاً في مياه القطب أطول بكثير مقارنة بمناطق اليابسة، ناهيك عن برودة الطقس التي تعرقل العمل لأشهر من السنة. لذلك، تقترح الدراسة البدء بالعمل الآن، نظراً إلى الانخفاض المتوقّع في معدلات إنتاج النفط الصخري بحلول نهاية العقد المقبل، ما سيترك آثاره السلبية في أمن الطاقة الذي تنشده الولايات المتحدة وتطمح إلى استمراره أطول فترة ممكنة.

يُذكر أن الرئيس هاري ترومان، أنشأ «المجلس الوطني للبترول» في 1946، نظراً إلى إعجابه بالتعاون الوثيق بين شركات النفط والحكومة الأميركية أثناء الحرب العالمية الثانية، وارتأى تشكيل المجلس ليستمر هذا التعاون خلال فترات السلم. ويعيّن أعضاء المجلس وزير الطاقة، ويمثلون مختلف قطاعات صناعة النفط والغاز الأميركية. وتكمن أهمية المجلس في تقديم المشورة والاقتراحات إلى وزارة الطاقة. وشارك فريق من 30 عضواً من الشركات والحكومة، في تحضير الدراسة المتعلقة بالقطب الشمالي، برئاسة رئيس شركة «إكسون موبيل» ركس تلرسون. وكان وزير الطاقة طلب من المجلس، تحضير الدراسة في تشرين الأول (أكتوبر) 2013.

وأشارت الدراسة إلى أن تقنية العمل في معظم مياه القطب موجودة حالياً، لكنها اقترحت إجراء بحوث جديدة للتأكد من دقة نتائج هذه التقنية، ومن أن التقنية ستساعد في تحسين أعمال السلامة والبيئة، وتقليص التكاليف. ودعت الدراسة إلى إيجاد الحلول اللازمة لإطالة فترة العمل في مياه القطب، فالعمل هناك مقتصر على أشهر قليلة من السنة. وأشارت الدراسة إلى أن دولاً أخرى مثل روسيا والصين، باشرت العمل فعلاً في تطوير التنمية الاقتصادية في القطب، لذلك «فالتطوير في مياه القطب الأميركية، سيساعد في دعم الأمن الطاقوي الأميركي، وسيكون لمصلحة الشعب الأميركي، ويساعد الولايات المتحدة لأداء دور قيادي على الصعيد العالمي».

ويورد التقرير الذي نشرته «بتروستراتيجي» نقلاً عن المجلس، المعلومات التالية عن احتمالات موارد النفط والغاز في القطب الشمالي (الأرقام مقومة بالبلايين من براميل النفط المكافئ): روسيا 287، الولايات المتحدة 94، غورينلاند 39، كندا 34، والنروج 25.

لكن، لماذا الاستعجال في الاستكشاف في مياه القطب؟ يشير المجلس إلى تجارب صعبة سابقة في المياه العميقة، فيذكر، مثلاً، مشروع «نورث ستار»، الوحيد الذي جرى فيه الحفر في الجرف القاري القطبي للولايات المتحدة، وهو استغرق 22 سنة بين الحصول على رخصة العمل وبدء الإنتاج. أما في المياه العميقة جداً في خليج المكسيك، فمشروعا «مارس» و»أتلانتس» استغرقا 11 و12 سنة. وحذّر المجلس من احتمال الخلافات والنزاعات الحدودية بين الدول. وعلى ضوء هذه العراقيل، ينبه المجلس إلى أن أي محاولة جدية لتطوير بقعة مهمة من القطب، من المحتمل أن تستغرق بين 10 سنوات وأكثر من 30 سنة. وإذا بدأ العمل الآن، يقول، فهذا معناه أن الإنتاج النفطي الجديد للمناطق القطبية المحاذية لسواحل ولاية ألاسكا، قد يبدأ في منتصف عقد الثلاثينات المقبل.

ما معنى هذا الكلام؟ أولاً، إن أولوية السياسة النفطية الأميركية هي استكشاف النفط في الولايات المتحدة نفسها، على رغم التكاليف العالية لإنتاج النفط غير التقليدي، وأن التقنية صارت في متناول اليد، وأن محاولة تحقيق الاكتفاء الطاقوي الذاتي الأميركي ستعني إدامة أطول لعصر النفط.

ثانياً، إن نجاح هذه السياسة سيعتمد على توافر أسعار عالية للنفط الخام، لتحقّق الأرباح المطلوبة من هذه المشاريع العالية الكلفة. وهذه إشارة واضحة الى الدول المنتجة الكبرى في منظمة «أوبك» لتنسيق سياساتها النفطية، على رغم خلافاتها السياسية المعهودة.

ثالثاً، إن كثيراً من الاستثمارات في قطاع الطاقة ستتجه إلى المشاريع النفطية العالية الكلفة، على حساب الصناعة النفطية التقليدية، ما يعني أن الدول النفطية ستضطر إلى زيادة مساهماتها الاستثمارية في مشاريعها النفطية المستقبلية. وهذا سيعني، أن الاستثمارات في بدائل الطاقة المستدامة ستنخفض في شكل كبير.

رابعاً، إن الإمدادات الجديدة من النفط المحصور أو النفط القطبي، ستساعد في إطالة عصر النفط، لكنها في الوقت ذاته ستزاحم النفط التقليدي في الأسواق النفطية. وستحاول الشركات النفطية الكبرى تزويد الأسواق الدولية، وكثير منها قريب جداً من مناطق إنتاج النفط غير التقليدي، منافسة أسواق النفوط التقليدية التي تملكها شركات النفط الوطنية.

خامساً، إن الكلام عن تقليص دور النفط في ميزان الطاقة سيُنسى، ما دام أن إنتاج كميات كبيرة منه سيبدأ في الولايات المتحدة، بغض النظر عن كلفته. وسيُغض النظر عن الآثار البيئية للنفط الخام، خصوصاً

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.