.
.
.
.

تأملات في مسار التنمية الكوري

آسيا آل الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

نعيش اليوم ثورة حقيقية على مستوى مساعي تحقيق التنمية، ويعتبر دور التخطيط السليم إحدى أبرز أدوات نجاح تلك المساعي. ويحدثنا التاريخ عن عديد من النماذج التنموية الناجحة التي يمكن الاستفادة منها في المرحلة المقبلة، وتزداد قيمة تلك التجارب إذا ما علمنا أنها تأتي في أعقاب حرب ودمار كبيرين.

تعتبر التجربة الكورية الجنوبية فريدة من نوعها، بعد أن خرجت من الحروب كإحدى أفقر دول العالم بمتوسط دخل فردي يساوي ثمانين دولارا، وفاتورة أضرار تقدر بـ 70 مليار دولار. وعندما تولت الحكومة الجديدة مقاليد الأمور باشرت فورا بإحداث ثورة تنموية قامت على عدة دعائم: 1) شراكة نوعية بين القطاعين العام والخاص تقوم على تسخير دور القطاع الخاص لخدمة الخطة التنموية الشاملة. 2) زيادة ميزانية البحث العلمي والتطوير من إجمالي الميزانية العامة. 3) مرونة الدور التشريعي بما يتناسب ومتطلبات كل مرحلة. وقد كان تأسيس مجلس اقتصادي تنموي هو حجر الأساس بالنسبة لنجاح مساعي التنمية، حيث قام بالإشراف عليه وتوجيه أعماله خيرة الكوادر الوطنية الكورية. ووضعت أهداف مرحلية تنقسم إلى قسمين: تحقيق نسبة نمو بحد أدنى 7 في المائة على المدى القريب بين عامي 1962 و1969م عبر استثمارات الطاقة وكذلك تحسين البنية التحتية، خاصة السكنية منها. وأهداف على المدى المتوسط تتمثل في استدامة النمو بمعدل 3 في المائة عن طريق توسيع القاعدة الإنتاجية. وقد تركز دور الحكومة على توفير الموارد المالية وحماية الصادرات، وتسهيل دخول السلع الكورية عن طريق بناء علاقات مع الدول المستوردة لتلك السلع.

وفي المقابل تندمج الشركات في الخطة التنموية مستغلة المزايا التنافسية المتاحة، كما تعمل على توسيع قاعدة الإنتاج لتشمل عديدا من القطاعات الحيوية. وكمثال على تلك الشراكة، فقد استفادت شركة بوسكو إحدى كبريات شركات العالم في إنتاج الصفائح المعدنية من اتفاقيات منح وقروض حكومية كانت الدولة قد وقعتها مع عديد من البلدان الصديقة كالقرض البالغ 73.7 مليون دولار لبناء مصنع الفولاذ. كما تتعهد الشركات بلعب دورها في تأهيل اليد العاملة مستفيدة من إلزامية ومجانية التعليم للمراحل الابتدائية حتى أصبح لدى كوريا فائض من العمالة المؤهلة نسبيا مقارنة بعديد من الدول النامية آنذاك.

أما فيما يخص المرونة التشريعية، فقد بدت جلية في التشريعات التي أعقبت أزمة 1997 الآسيوية، حيث سرعت تلك التشريعات من وتيرة التعافي الاقتصادي. وقد شملت تلك التشريعات خفض قيمة العملة لدعم الصادرات وكذلك الإعفاءات الضريبية، التي تصل إلى حد الإعفاء الكامل لبعض القطاعات مثل البتروكيماويات والصلب، التي أضحت بعد ذلك أحد أبرز دوافع نمو الاقتصاد الكوري.

وعلى صعيد البحث العلمي، فيكفي أن الميزانية قد ارتفعت منذ 1980 إلى عام 2010 من 0.6 في المائة إلى أكثر من 4 في المائة، أي أكثر من سبعة أضعاف. ويلاحظ أن الإنفاق كان موجها للمجالات الواعدة مثل التكنولوجيا، وقد كانت "سامسونج" أحد أكبر المستفيدين من هذا الدعم، وقد تمكنت من أن تصبح أحد أكبر الشركات العالمية في مجالها، كما أن الدعم كان يرتكز في القطاعات الأكثر تصديرا، أي القطاعات الأكثر تأثيرا في نمو الاقتصاد. واليوم، تجاوز دخل الفرد الكوري 29,500 دولار في العام، وأصبحت الدولة تحتل المركز الرابع عشر ضمن ترتيب أكبر الاقتصادات العالمية.

كل هذا حققته كوريا دون وجود الموارد الطبيعية. ونحن اليوم نشرف على مرحلة جديدة فعليا بعد استحداث مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي وبداية نسج خيوط نموذجنا التنموي الفريد، فهل نستطيع تحقيق أهدافنا في ظل هذا النموذج مع وفرة الموارد الطبيعية لدينا؟!

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.