.
.
.
.

نحو إدارة مشتركة للاقتصاد العالمي

عامر ذياب التميمي

نشر في: آخر تحديث:

يبدو أن التشابك بين الاقتصادات الوطنية لم يعد مستغرباً في القرن الحادي والعشرين. واضح أن أي اقتصاد في أي من البلدان، النامية أو المتقدمة، بات يتأثر بما يجري في بقية الاقتصادات الأخرى، وباتت الأزمات الاقتصادية والمالية تؤثر في المجريات الاقتصادية للبلدان كلها. ففيما تابع العالم أخيراً أزمة الديون اليونانية ومجريات المحادثات الأوروبية - اليونانية حولها، برزت مخاوف من انهيار تلك المحادثات وأبدى كثر من المراقبين مخاوف من التداعيات على اقتصادات البلدان الأخرى. هذا علماً أن عدد سكان اليونان لا يتجاوز 10 ملايين شخص وناتجها المحلي الإجمالي لا يمثل سوى 3.5 بالألف من الناتج العالمي.

مثال اليونان أكد أن الإدارة الاقتصادية في أي بلد يمكن أن تنعكس في شكل أو آخر على مجريات الاقتصاد العالمي، وقد تحمل أعباء كبيرة على بلدان عديدة. ستتحمل بلدان الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي أعباء تعويم اليونان وتسهيل إمكاناتها لخدمة الديون. لكن الأموال التي ستخصص لتعويم الاقتصاد اليوناني كان يمكن أن توظف في استثمارات مفيدة في مختلف بلدان العالم، ويمكن أن يؤدي توظيفها إلى انتعاش اقتصادات عديدة بما يساهم في رفع مستويات المعيشة للسكان في مناطق عديدة من العالم، ويعزز القدرة على توسيع نطاق التجارة الدولية ويدفع إلى الإبداع في العديد من النشاطات الاقتصادية. لكن هل كان بالإمكان ترك اليونان في مواجهة محنتها لوحدها من دون التأثر بتلك المحنة؟

وإذا نظرنا إلى واقع الاقتصاد النفطي والتأثيرات المستمرة لأعمال العنف في الإنتاج والتصدير في بلدان مثل ليبيا ونيجيريا والعراق، وكذلك مقاطعة النفط الإيراني، فلا بد أن تتأثر مستويات العرض بما يؤثر في الأسعار. وفي المقابل هناك الارتفاع في إنتاج النفط غير التقليدي، كالنفط الصخري، والذي دفع إلى انخفاض استيراد الولايات المتحدة من النفوط الأجنبية بنسبة مهمة. ونظراً إلى استمرار أهمية النفط في إنتاج الطاقة في مجالات عديدة، لا بد أن يواجه الاقتصاد العالمي استحقاقات هذه الأوضاع في البلدان المنتجة للنفط والمتغيرات في أنماط استهلاك الطاقة في البلدان المستهلكة الرئيسة. فأزمة النفط عام 1974 وما تلاها، أدت إلى قيام منظمة الطاقة الدولية من أجل مواجهة تحديات الاقتصاد النفطي والتعامل مع متطلبات تطوير الإنتاج ورفع كفاءة الاستخدام ودفع الصناعات إلى البحث والتطوير لتخفيف الطلب على النفط.

سبق للدول المنتجة أن أسست منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) التي عملت لحماية حقوق المنتجين والحفاظ على أسعار مناسبة للنفط في وقت كان سعر النفط منخفضاً وكانت الشركات النفطية الكبرى تتحكم بالإنتاج. وخلال السنوات الـ 40 منذ الصدمة النفطية الأولى عام 1974، حدثت تطورات مهمة في مجالات الإنتاج والتصدير والاستخدام، وتحسنت العلاقات بين العديد من الدول المنتجة، سواء في «أوبك» أو خارجها، من أجل تماسك الأسعار ومحاولة تنسيق سياسات الإنتاج. كذلك أممت دول منتجة كثيرة العمليات النفطية في بلدانها بعدما كانت تحت سيطرة الشركات النفطية الرئيسة في العالم.

وفيما مسيرة التطور الاقتصادي لا تزال بعيدة من الرشد المنشود في هذا المجال، يدفع إلى التفاؤل تطور الوعي بين الشعوب في مختلف بلدان العالم وبروز جماعات مهتمة بإيجاد ذلك التوازن الضروري. وعلى رغم ازدياد عدد البشر حتى سبعة بلايين شخص، موزعين بين بلدان غنية وفقيرة، إلا أن مصالحهم أصبحت أكثر تشابكاً وأصبح صعباً إهمال أوضاع البلدان الأقل نمواً من دون إحداث أضرار مباشرة أو غير مباشرة في البلدان الثرية. ويعد النمو السكاني في البلدان الفقيرة وتراجع مستويات الرعاية الصحية فيها من أهم المشاكل المعاصرة التي تواجه الاقتصاد العالمي.

هناك، الآن، العديد من المنظمات الدولية والإقليمية التي تعنى بالاقتصاد العالمي في مختلف جوانبه، كما أن الاجتماعات الدورية التي تعقدها مجموعتا السبع والعشرين، ناهيك عن اجتماعات التجمعات الإقليمية المتعددة، كل هذه الكيانات تسعى إلى تطوير آليات الاقتصاد العالمي، إقليمياً ودولياً. لكن هل يمكن أن نعول على هذه المؤسسات والتجمعات لمعالجة مشاكل الاقتصاد العالمي؟ ربما يتطلب الأمر جهوداً شاقة وتفهماً من كافة اللاعبين لأهمية التعاون وتعزيز العون للدول المتضررة. ولا يمكن للدول أن تطلب العون من بلدان أخرى وترفض شروط العون.

قد لا نصل، خلال الزمن المنظور، إلى مستويات مثالية تلتزم فيها البلدان بسياسات تحقق التوازن المالي وتمكن من تحقيق النمو الاقتصادي الملائم. وحاول الأوروبيون من خلال اتفاقات الوحدة الاقتصادية، والوحدة النقدية، أن يلزموا البلدان الأعضاء باتباع سياسات مالية ونقدية محكمة لكن يبدو أن الوصول إلى الالتزام بمضامين وأهداف الاتفاقات لا يزال بعيداً إلى حد ما.

ما يتطلبه الاقتصاد العالمي الآن هو البناء على ما تحقق وما نتج من مختلف التكتلات الإقليمية والقارية وكيف توظف تلك النتائج لتحقيق التناغم الإيجابي بين مختلف الاقتصادات. إن التحديات التي تواجه مختلف بلدان العالم من أجل تطوير الاقتصاد العالمي يتطلب توظيف الموارد من أجل الارتقاء بالحياة وتحسين الأوضاع المعيشية وتعزيز عدالة التوزيع. بيد أن ذلك يتطلب أيضاً، السيطرة على النزاعات المحلية والإقليمية والقضاء على العنف والإرهاب من خلال منظومة دولية متسقة.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.