.
.
.
.

أين نصيبنا من انخفاض الأسعار؟

عبدالله الربيعان

نشر في: آخر تحديث:

يتداول الذهب هذه الأيام عند أقل مستوى سعري يشهده المعدن النفيس منذ خمسة أعوام ونصف العام، وللتذكير فإن الأونصة تتداول حالياً عند أقل من 1100 دولار، فاقدة ما يزيد على 800 دولار من أعلى قيمة سجلتها في السادس من أيلول (سبتمبر) 2011 عند 1920 دولاراً للأونصة. كما يتداول البلاتين عند أقل مستوى سعري يصل إليه في ستة أعوام، وكذلك وصل النحاس إلى 5142 دولار للطن في سابقة لم يصلها منذ 2009. وكذلك هو وضع أسعار الألمنيوم والزنك والرصاص والنيكل، فكلها تتسابق لتسجيل مستويات سعرية دنيا لم تصلها منذ زمن طويل.

الانخفاض لم يقتصر على المعادن، بل تعدى إلى السلع الغذائية، ومنها الذرة وفول الصويا، وبشكل عام وبحسب «الفايننشال تايمز» فإن 23 سلعة زراعية ومعادن مسجلة في مؤشر بلومبيرغ للسلع تشهد انخفاضات كبيرة لم تشهدها منذ أعوام طويلة. وبحسب مقابلة مع تلفزيون بلومبيرغ قال خبير المعادن الثمينة في لندن جونثان باتلر إنه «إذا ما استمر الانخفاض في النصف الثاني من العام بوتيرة النصف الأول نفسها فإن الأسعار ستكون تحت ضغط كبير». وبالتأكيد فإن انخفاض النفط إلى مستوى 50 دولاراً لمزيج برنت هذا الأسبوع ما هو إلا مؤشر آخر على الضغط والانخفاض السعري المتسارع الذي تشهده أسواق العالم منذ أوائل العام الجاري.

وبدوره، سيؤدي الانخفاض الكبير في أسعار النفط والمعادن وغيرهما إلى انخفاض الإنفاق الرأسمالي والاستثماري على هذه السلع بمعدل يصل إلى 10 في المئة بنهاية هذا العام، وبنسبة تفوق 10 في المئة في العام المقبل بحسب دراسة لـ«ستاندارد آند بورز» نشرت الإثنين الماضي (الفاينشال تايمز في الثالث من آب (أغسطس) 2015).

الأسباب التي تعزى لها انخفاضات الأسعار المشار إليها كثيرة، وعلى رأسها انخفاض شهية السوق الصينية، فالتنين الاقتصادي الذي يحرك العالم يحقق أسوأ معدلات نمو منذ 25 عاماً، إضافة إلى أن استعداد الفيديرالي الأميركي لرفع سعر الفائدة بدأ (حتى قبل إقراره فعلياً) بتغيير توجه الاستثمارات نحو الأصول التي تدر عوائد أفضل. كما أن ارتفاع الدولار هو المسبب الأول لانخفاض المعدن الأصفر الذي يرتبط معه بعلاقة عكسية، إضافة إلى عدم وجود طلب حقيقي في العالم الغربي نتيجة ضعف النمو، وهو ما أدى إلى زيادة المعروض من السلع والمعادن بما يفوق الطلب كثيراً.

بالطبع يبقى السؤال الأهم لنا بوصفنا مستهلكين في السعودية والخليج عموماً هو: أين نصيبنا من هذه الانخفاضات القياسية والضخمة في أسعار المعادن والغذاء؟ فالملاحظ أن الأسعار ترتفع عندنا بسرعة البرق نتيجة أي ارتفاع ولو في جزر الواق واق، ولكنها لا تستجيب للانخفاض حتى لو ملأ أصقاع الدنيا، وجاب المقاهي والمعارض والبقالات، واستفاد منه كل مستهلكي العالم غيرنا. وهو ما حدا برئيس جمعية حماية المستهلك في السعودية الدكتور سليمان السماحي للقول هذا الأسبوع إن جمعيته «تدرس مسببات عدم تأثر أسعار السلع والخدمات المحلية بانخفاضها عالمياً» (الرياض، 3 أغسطس 2015).

بالتأكيد مشكلتنا مع عدم الاستفادة من الانخفاضات السعرية التي يشهدها العالم، وعدم استفادتنا من قوة الدولار حالياً، ونحن الذين تضررنا كثيراً بانخفاضه ما يزيد على عقد من الزمان، يعود إلى أمور أربعة هي:

أولاً: الاحتكار، فسوقنا تبدو صورتها الخارجية سوقاً منافسة كاملة، ولكن الشيطان يكمن في تفاصيلها، فكل سلعة أو خدمة محتكرة لوكيل واحد، أو وكلاء وموردين عدة، وهم متفقون فيما بينهم على اقتسام السوق، وعدم منافسة بعضهم الآخر، والمتضرر هو المواطن أو المشتري الأخير للسلعة، وراقبوا سوق الاستقدام، والحج والعمرة، ومنتجي الألبان، وسوق الاتصالات، والمصارف، وغيرها لتتأكدوا بأنفسكم.

ثانياً: عدم قيام جهات الحكومة المسؤولة عن السوق بدورها المطلوب، فهيئة الاتصالات ومؤسسة النقد ومجلس المنافسة وغيرها لم نسمع منها يوماً أنها انحازت للمستهلك ضد التاجر، بل إن ما نراه هو انحيازها التام للتاجر، ولا يطرف لها جفن للغبن وعقود الإذعان التي يوقعها المواطن مضطراً لغياب البديل.

ثالثاً: غياب الدراسات والبحوث المقارنة، فسوقنا أغلى، في كثير من السلع والخدمات، حتى من بعض الأسواق الخليجية المجاورة، وخصوصاً الشقيقة الإمارات. وعلى رغم التشابه إلى حد التطابق بين السوقين، وتميز السوق السعودية بكبر حجم الاستهلاك والطلب، وهو ما يعطيها ميزة تنافسية، فإن المشاهد هو العكس، فسوق الشقيقة الإمارات أرخص من سوقنا في سلع وخدمات كثيرة، وهذا عائد إلى ما ذكر في «أولاً وثانياً».
رابعاً: ضعف ثقافة المستهلك، وضعف دوره في الرقابة والإبلاغ والتعاون مع وزارة التجارة، التي تقوم بجهود جيدة، إلا أن اليد الواحدة لا تصفق. فالدور السلبي وغياب الوعي الاستهلاكي، والسلبية تجاه الغش والتلاعب، تجعل التاجر لا يرى في هذا المستهلك سوى حصالة نقود يفرض عليها ما يريد من دون تعب ولا تردد.

ختاماً، تحملنا ضعف الدولار 12 عاماً (من 2002 إلى 2015)، وتحملنا ارتفاع أسعار الغذاء العالمية منذ 2007، وتحملنا الاحتكار وجشع التجار في مقابل ضعف المستهلك وغياب صوته. وهو أمر يجب ألّا يستمر أكثر، فالدولار في أحسن حالاته، وأسعار الغذاء وغيرها من السلع في أقل مستوياتها السعرية، ومنظومة الرقابة الحكومية مكتملة البناء والأنظمة. يبقى فقط أن تنقل هذه الجهات أنظمتها من الورق إلى أرض الواقع، وتطبقها بجودة وشفافية، ساعتها سنستفيد كما يستفيد غيرنا، وإن لم تطبق الأنظمة ويَسُدْ مبدأ الرقابة، فسنظل نردد ما نقول من دون جدوى ولا فائدة.

* نقلا عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.