اعتداءات فرنسا ضربة محدودة لاقتصادها
خلّفت الاعتداءات الأخيرة في باريس حالاً من التوجّس وعدم الأمان في أوساط المجتمع الفرنسي، ودفعت الحكومة إلى تبنّي سياسات لمواجهة الإرهاب والوقاية منه قد تؤدي إلى تعطيل نشاطات اقتصادية، أو على الأقل إضعاف زخم تلك النشاطات. وبعد أيام قليلة من الاعتداءات، بيّنت مصادر اقتصادية فرنسية أن عدد رواد المقاهي في باريس انخفض بنسبة 15 في المئة، وعدد رواد المطاعم انخفض بنسبة 50 في المئة.
لكن هذا الانخفاض ربما يُعزى إلى التعليمات الحكومية التي أكدت على المواطنين البقاء في منازلهم أو إلى إجراءات التفتيش وحظر التجوّل التي جرى اعتمادها بعد تلك الحوادث. وقد يكون هذا العزوف نتيجة متوقعة للتأثيرات السيكولوجية للاعتداءات والخوف من تكرارها في الأماكن العامة. لكن تقارير توقعت إلغاء حجوزات في المطاعم والفنادق تصل إلى 60 في المئة خلال الأسابيع المقبلة، قياساً بالمستويات المعهودة في هذه الفترة من السنة.
كان الاقتصاد الفرنسي يبدي تحسناً قبل الأحداث الدامية، وقدِّر أن معدل النمو سيبلغ 1.3 في المئة في 2016، و1.6 في المئة في 2017. ويرى اقتصاديون أن انخفاض أسعار النفط والطاقة في شكل عام، قد ينعش قطاعات اقتصادية عديدة. وإذا انتعشت اقتصادات أوروبية أخرى، سيساعد التحسّن المحتمل في الطلب على الصادرات الفرنسية على رفع معدلات نمو الاقتصاد الفرنسي المتمتّع بقطاعات إنتاجية مهمة مثل الزراعة والصناعة، وهو من الاقتصادات المصدّرة الكبرى.
ومعلوم أن تأثيرات الإرهاب ستطاول في الدرجة الأولى قطاع السياحة المهم. ففرنسا أبرز المقاصد السياحية في العالم، إذ تستقطب 83 مليون زائر سنوياً، وساهم القطاع بنسبة 8.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أو 191.4 بليون يورو في 2014. ويُقدَّر لهذه المساهمة أن ترتفع بنسبة ثلاثة في المئة هذه السنة، فيما يساوي عدد العاملين في المنشآت السياحة وتلك ذات الصلة 2.7 مليون أو 10 في المئة تقريباً من إجمالي قوة العمل في البلاد. ووظف المستثمرون في فرنسا نحو 31 بليون يورو في 2014 في قطاع السياحة، وربما تكون هذه الاستثمارات ازدادت بنسبة ثلاثة في المئة العام الحالي.
هل ستتراجع السياحة في فرنسا بعد الأحداث الأخيرة؟ يُرجَّح أن تتمكن صناعة السياحة من استيعاب الصدمة. ففي الأجل القريب، قد تتأثر الفنادق والمواقع السياحية، مثل المتاحف والحدائق والمزارات الخاصة والمطاعم والمقاهي إلى درجة ما، خصوصاً في باريس والمناطق المحيطة بها. وتراجعت أسعار أسهم عدد من الشركات المرتبطة بالسياحة في فرنسا، مثل «الخطوط الجوية الفرنسية» أو «مجموعة أكور» للفنادق، لكن يُستبعَد استمرار ذلك. أما إلغاء عدد من النشاطات الفنية بعد الأحداث مباشرة، فأمر طبيعي بعد حوادث إرهابية، لكن تحسّن الأوضاع الأمنية يعيد الأمور إلى ما كانت عليه بعد حين، بما يشجع الناس على السفر والمشاركة في نشاطات ذات صلة بالسياحة.
وقد تؤثر إجراءات حكومية مثل إعلان حال الطوارئ أو تقييد دخول المسافرين من عدد من البلدان، خصوصاً الشرق أوسطية، سلباً في إيرادات القطاع السياحي، لكن السياحة في فرنسا تجذب سياحاً من مختلف بلدان العالم، خصوصاً من بلدان الاتحاد الأوروبي وبلدان أميركا الشمالية، كما أن تزايد أعداد السياح الآتين من بلدان آسيوية، خصوصاً الصين، سيمكّن من تفادي التراجع الحاد.
الاقتصاد الفرنسي يحتل المرتبة السادسة عالمياً لجهة الحجم، إذ يبلغ الناتج المحلي الإجمالي 2.5 تريليون يورو. ويُقدَّر عدد سكان فرنسا بـ66 مليون شخص، ومعدل نمو السكان بـ0.55 في المئة سنوياً، ولا يزيد معدل الخصوبة للنساء في سن الإنجاب عن طفلين. لذلك، فإن إمكان تحقيق دخل فردي ملائم يبقى جيداً عند 42 ألفاً و500 دولار سنوياً.
وأصبح الاقتصاد الفرنسي على مدى العقود الماضية، جاذباً للمهاجرين من بلدان شمال أفريقيا وعدد من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء. ويعمل العديد من هؤلاء المهاجرين، الذين حصلت غالبيتهم على الجنسية الفرنسية، في القطاعات الخدمية، خصوصاً السياحة. وربما يتضرر كثر من هؤلاء، خصوصاً المسلمين، من الحوادث الإرهابية التي اتضح أن عدداً من أبناء المهاجرين من شمال أفريقيا تورّط بها. بيد أن ردود الفعل التي قد لا تكون مواتية يتم عادةً استيعابها في البلدان ذات التقاليد المؤسسية والمحكومة بقوانين مستقرّة مثل فرنسا.
ستتضح آثار صدمة الإرهاب على الاقتصاد الفرنسي، وعلى قطاع السياحة تحديداً، خلال الشهور المقبلة، بيد أن المرء يجب أن يتيقن أن الاقتصاد الفرنسي الذي استوعب الأزمة الاقتصادية العالمية خلال السنوات الماضية، لا بد من أن يتغلّب على تلك التأثيرات غير المواتية ويتجاوزها خلال فترة قياسية.
* نقلا عن صحيفة " الحياة "